الرئيسية / مقالات صحفية / جريدة الدستور المصرية / حتى لو تمت الولادة بسلامة (تعتعة سياسية)

حتى لو تمت الولادة بسلامة (تعتعة سياسية)

نشرت فى الدستور

 13/7/2005

حتى لو تمت الولادة بالسلامة!

“الأحزاب الحقيقية” بداية تحتاج إلى كل مقومات الرعاية والرقابة والتدريب

إذا كنت قد أشرت فى التعتعة السابقة إلى مخاض سياسى يحتمل أن يتمحض عن حركية شعبية حقيقية، تتخلق منها أحزاب واقعية، من صلب وعى الناس، فتتشكل عفية قادرة على أن تساهم فى إذكاء تفاعل التيارات والقوى السياسية المتعددة والمتنوعة، لنكون شعبا مشاركا من جديد، فإن الأرجح أن تهنئ الأم الصابرة (مصر) نفسها بعدد من التوائم غير المتماثلة (أحزاب حقيقية)، ربما نتيجة لطول فترة الحمل، وعظمة مقاومة النفى والإلهاء والكذب.

إنْ  حدث ذلك فمَن الذى يمكن أن يتعهد هذه التوائم حتى تنمو وتعمّر وتضيف؟ كيف نحميها من أن تموت فى مهدها نتيجة لفقر التغذية بالتجربة والحرية والحوار والاختلاف الخلاق؟.

إن مجرد حركة شعب طال صبره، وصدق وعده، وتجرعة آلام مخاضه، حتى انجب هذه التوائم غير المتماثلة: الأحزاب الحقيقية، ليست إلا بداية تحتاج إلى كل مقومات الرعاية والرقابة والتدريب، بما يشمل المخاطرة وتحمل آلام التجارب الجديدة، وعمل حساب الآثار الجانبية والمضاعفات المحتملة. حتى الثورات الكبيرة تتعرض لمثل هذه المخاطر والمضاعفات، هذا لو لم توءد فى مهدها، بفعل فاعل من بعض أهلها (عادة).

رحت أنظر حولى للشباب خاصة ثم للأطفال، باعتبار أنهم الجيل الذى سيتولى حمل أمانة تنشئة الوليد الجديد آجلا على الأقل، فلم أعثر على ما يطمئننى إلى وجود موشرات تعد بتعهد تربيته حتى ينضج إلى ما يعد به، لم أجد لديهم لا الخبرة ولا المواد الأولية الضرورية للتغذية السياسية الصحية، ولا امصال الوقاية من ألعاب الاستحواذ والاحتواء والالتفاف والتسويات المائعة، ولا شئ. هل معنى ذلك أننا بعد طول انتظار، وبعد صدق المخاض، وبعد سلامة الولادة، لن نجد من يتعهد هذا الجنين بما ينبغى كما ينبغى؟.

انتبهت إلى خطورة الموقف حتى كادت تختفى فرحة أن نتعنا الله بالسلامة. لا يمكن أن نطمئن إلى شيوخ أمثالى ذاقوا بعض ما يسمى الحرية يوما ما، وهم لا يملكون الآن إلا مثل هذه الكلمات والتنظير والتحذير، وربما بعض معالم التخطيط والنصائح. ثم إنه لا يمكن أيضا أن نطمئن إلى صليل الأقلام الصارخة الحالية الصادرة من جيل فى منتصف العمر مهما صدقت النوايا، واحتدت الكتابة والخطابة، إن أصحاب هذه الأقلام والأصوات الذين سمعوا عن الحرية وبعضهم دفعوا ثمناً سجنا وإبعادا واضطهادا، وآخرون صوروها شعرا وفنا وروايات، كل هؤلاء لا يملكون على أرض الواقع ما يكفى ليتعهد صحة الوليد حتى ينمو كما يستحق وينبغى.

استدرت إلى جيل الشباب فوجدت الفراغ والضياع قد قسمهم إلى فريقين مخدرين: الأول بالمخدرات والنت والدش والديسكو، والثانى مخدر بالتسليم، وشلل التفكير، والتبعية للأوصياء على دين الله وحركية الوجود نحو الحق سبحانه وتعالى.

إنك لو ذكرت كلمة “سياسة” للفريق الأول، وفريق المخدرات والديسكو..الخ فقد تسمع أصواتا لا تحبها، ولا يمكن كتابتها، أما إذا ذكرت نفس الكلمة أمام الفريق الثانى فالأغلب أنك ستتلقى ردودا جاهزة ثابتة جامدة ليس لها علاقة بالمخاض ولا بالولادة ولا بالحركة ولا بالنمو، ولا بالسياسة أصلاً.

أحاول أحيانا أن أذكر أمام أحفادى وأصدقائهم أى شئ فيه شبهة سياسة مما كان يهمنى وأنا فى سنهم، فأكتشف أننى غريب وحيد، بل إننى أكاد أسمع بعضهم يهمس ساخراً من تخريف عجوز يتكلم لغة غريبة لا تعنيهم أصلاً، هذا إن فهموا منها شيئاً.

هل هناك أى مجال لطفل عمره 9 سنوات، أو شاب عمره 17 سنة أو بنت عمرها 14 سنة أن تعرف من أصله “ما هو سياسة”؟ “ولماذا السياسة؟” ناهيك عن “كيف السياسة؟”، لقد نشأ هذا الجيل فى ظلام دامس لا يضاء إلا لقراءة بيانات كاذبة، أو تسهيل غش جماعى؟.

إذا كان لنا أن نأمل فى تعهد الوليد الرضيع بعد ذلك المخاض العنيد، ونجاته فى القيصرة الزائفة، فعلينا أن نبدأ من البداية: من التربية، من الأسرة، من تحت جداً.

كيف ذلك بالله عليك، والأمر كما لا يخفى عليك؟.

لا تبتئسوا، فمن جعلنا نصبر على حمل طالت مدته خمسين عاما، ثم نتبين أخيراً أنه لم يكن حملاً كاذباً، يجعلنا نصبر على الرضيع الوليد ليكتمل نموه يافعا رغم كل شئ.

بل إن الفرصة الآن أرحب، لأنه صبر جميل ملئ بالفعل والمحاولة، ليس بمجرد الانتظار والكمون الذى تتخلله نوبات الاستجداء وحركات المنح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *