الرئيسية / مقالات صحفية / جريدة الوفد / يقظة رمضان، وأحداث أفغانستان (رمضان كريم: ضد الكسل العقلى)

يقظة رمضان، وأحداث أفغانستان (رمضان كريم: ضد الكسل العقلى)

الوفد: 22/11/2001

يقظة رمضان، وأحداث أفغانستان

(رمضان كريم: ضد الكسل العقلى)

رمضان كريم، يتمثل كرمُه فى أنه يعطينا فرصا حقيقية لإعادة النظر، لكسر الرتابة، لاكتشاف أن ما كنا نتصوره ضرورة لحوح، هو ليس كذلك بالضرورة. رمضان كريم لما فيه من إحياء هذه العلاقة الخاصة جدا بين العبد وربه، هى علاقة جدلية رائعة بها قدر من الخصوصية الجميلة التى توثق وتعمق الوجود. هكذا فهمتُ كيف أن الصوم هو لله، وهو يجزى به. كل العبادات لله، بل وكل الأعمال لله، بل وكل الأنفاس لله، فلماذا اختص الحديث القدسى الصوم َ بالذات بأنه لله سبحانه وتعالي، وهو يجزى به ؟

 وصلنى أن ذلك كذلك لأنه يُنَشط هذه العلاقة الخاصة جدا بين العبد وربه فى سرّية آمِنة. أى شخص يمتنع عن الطعام والشراب أمام الناس يمكن أن يفطر سرا فى حجرة مغلقة، الصائم لا يفعل ذلك لأن الله يراه، إنه يتمثل معنى الإحسان الذى عرّفه الرسول صلّى الله عليه وسلم بأنه: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك” مصداقا للآيـة الكريمة ” بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره” هكذا يتكون وعى المؤمن وهو يتجلى فى الإسلام، كما يتشكل وعى المسلم وهو يتجلّى فى العبادات.

اختزال

 لا يجوز اختزال رمضان إلى هذا التسطيح الذى يروق لصغار المحررين، والمتحمسين من الأطباء، وكل من الفريقين يبادر بتعداد فوائد الصوم وكأنه يعمل له دعاية. ما أن يهل رمضان حتى تنبرى الأقلام تعدد فضل الصيام على الصحة العامة، وقوة النظر، ومرض السكّرى ، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض الحساسية، حتى التجشؤ اللا إرادي، أو الشخير أثناء النوم ..!!كل هذه الأمراض تتحسن بالصوم، لا يا شيخ!!؟، أنا لا أشك فى حسن نية مثل هذه الفتاوى لكننى أبرئ دينى أن يهبط إلى أن تحتاج عباداته الراسخة إلى كل هذه الدعاية التسويقية، كما أترفّع بالصائم – طاعةً ابتغاء وجه الله – عن أن يكون محتاجا لهذه المعلومات المـُـفـَبْرَكـة فى رمضان حتى نشجعه على الصوم . ما أعتقده وأنتمى إليه هو أن صوم رمضان عبادة مثل كل العبادات، روعتُها وفضلُها أنها عبادة لا أكثر ولا أقل. العبادات جميعا فى كل الأديان إنما تشحذ طبقات الوعى المتعددة إذ تفتّح الحواس، وتكسر النمطية، وتدرب عموم الوعى معا على الانطلاق الأشمل إلى رحاب الحق ابتغاء وجهه تعالي. كل فائدة تعود من العبادات بعد ذلك مقبولة، لكنها ليست الأصل. لا الصلاة حركات رياضية مفيدة، ولا الصوم هو رجيم ديني، ولا مؤاخذة.

لا يجوز أيضا أن يقترن حلول هذا الشهر الكريم بذلك الكسل العام الذى يصيب نظامنا اليومى فى رمضان، عندى أن الصوم يؤتِى أكبر ثماره إذا لم تتغير مواعيد الحضور والانصراف، ولا مواعيد النوم واليقظة، إن اختلافَ متغيّر واحد، بالامتناع عن الأكل والشرب أساسا، هو الذى يتيح الفرصة لتحريك الوعى فى الاتجاه الذى أشير إليه، وإذا كنت أنبه إلى خطورة الكسل فى العمل، والكسل فى الحركة، والكسل فى الإنجاز، فإن كسلا أخطر هو من أهم أسباب تخلّفنا، وهو كسل التفكير المؤدى إلى خمود الوعي، وكلاهما قد يزداد فى رمضان مع التخمة والبلادة وغباء التأويل. إن العكس هو المأمول من صيام مقبول: حين يكسر رمضان عادة الأكل والشرب، وحين تحرك صحوة الجوع وعينا المستكين، يمكننا أن ننظر إلى الأشياء نظرة ناقدة طازجة، فنفهمها أفضل، ونتعمق فيها أكثر.

أين النصر

من خلال هذا الكسل العقلي، الذى يزداد للأسف فى رمضان، عكس المفروض، يمكن أن نستقبل النتيجة المعلنة لانهيار طالبان على أنها نصر لأمريكا، ومن خلال نفس الكسل، يمكن أن نسيء فهم فرحة أهل كابول، بل وفرحة الأفغان، معظم الأفغان، بانزياح هذا الكابوس عن كاهلهم. لا شك أن كثيرا من المسلمين قد شاركوا الشعب الأفغانى فى استـنشاق هذا الشهيق العميق وطالبان تغادرهم بعد أن حبست حركة التنفس ذاتها فى صدورهم طول تلك الفترة الغريبة الخارجة عن التاريخ بشكل ما. إن المسلمين الحقيقيين لا يترددون فى المشاركة فيما هو خير الإنسان وهو يتحرر ليتحضّر، سبق أن ظهر ذلك واضحا فى رفض أغلبهم ما لحق بتمثالى بوذا. أتذكر ذلك فأفهم مشاعر أغلب المسلمين اليوم وهم يشاهدون معالم إزالة هذه البقعة السوداء (طالبان) من تاريخ هذا الدين العظيم، حتى قبائل البشتون التى منها أغلب طالبان، أفاقوا حتى نجحوا أخيرا، مع بقية العقلاء، أن يقنعو طالبان بالانسحاب من قندهار (بعد كابول)

فرحة، ولكن …

إن الكسل العقلى الذى أشرتُُ إليه قد يجعلنا نتوقف عند فرحة عابرة، وكأنها حدثت بفضل هذه الإغارة الخطيرة، إنى آمل أن يكون صيام رمضان قد حرّك فينا درجة من اليقظة نتجاوز بها هذا الانطباع العاجل حتى لا نخطئ ونحن نستقبل الأخبار وكأنها النصر الذى ترتبت عليه تلك البهجة. إن مثل هذا الإدراك الخاطئ يمكن أن يخدعنا حين نتصور أن التخلص من ظلم طالبان ورجعيتهم كان هدف هذه الحملة، وبالتالى نتسامح معها، وقد نرحب بمثلها ، ونحن ندفع ثمن ما أحدثت، وستحدث، من إغارة وقتل وتشريد.

 لا ينبغى أن ننسى أن أمريكا لم تدخل أفغانستان وتقتل من قتلت ، وتدمر ما دمّرت لتُعلى كلمة الإسلام وتنقى ثوبه الأبيض مما شابه بسبب طالبان، إنها دخلت -حسب ما أعــلـنـتْـهُ بنفسها- لتقبض على أسامة بن لادن (دع جانبا الأغراض السياسية والحربية والبترولية المتخفية وراء كل ذلك!!!)، ولو أن طالبان، هى هى كما هي، بكل أخطائها وغبائها وعماها وتشويهها للإسلام وقهرها لعامة الناس، لو أنها سـلّمت أسامة بن لادن وبعض زعماء القاعدة لأمريكا، لبادرت أمريكا باعتبارها “أجدع طالبان”، وربما منحتها مكافأة سخية، وتظل النساء المسلمات (بما خلقه الله لهن من وعى وعقل وقدرات إبداع) محبوسات داخل كهوف سوداء، ساكنة ومتحركة، وتظل الموسيقى ممنوعة، ويذهب تمثالا بوذا إلى الجحيم، وربما أعادت أمريكا بناءهما من البلاستيك المتين بعد فتوى مدفوعة الأجر، وتصبح طالبان “أحسن ناس” ما دامت سلّمت السيد أسامة للسيد دبليو. يتأكد هذا الافتراض من قراءة تاريخ أمريكا مع المجاهدين أمثال طالبان حين كان المطلوب هو إخراج الاحتلال السوفيتي. ثم إن الأحداث الجارية مع برويز مشرف فى باكستان تُبين قواعد اللعبة الأمريكية قبل وبعد انهيار طالبان. أليس هذا الجنرال هو الديكتاتور عدو الديمقراطية، ثم إذا به الآن الحليف الذى يقبض ستمائة مليون دولار (حج الشاهي) نظير وقفته “الحرة” بجوار الحرية الدائمة ؟!

ليست حربا

إن النهاية التى تلوح لما يجرى الآن ليست نصرا حربيا لأحد المتقاتلين، أين هذا القتال؟ أين المعركة؟ إنها إغارة آلة عملاقة لا تميِّز، على قوافل لقبائل رحّالة لا تعي، هذه هى كل الحكاية، فأين النصر؟ ذكرتُ فى مقال سابق هنا فى الوفد أن المعركة ليست بين غضب الإرهابيين المدمِّر، وآلة الغرب الفتاكة وإعلامه المضلل، وإنما الصراع الحقيقى هو بين الناس، كل الناس على ناحية، وبين المؤسسات المالية والسلطوية القاهرة على مستوى العالم على الناحية الأخري. إن الذى يزعم النصر الآن هو فصيل سلطة فائقة التجهيز عالية الصوت، على فصيل سلطة بالغة التخلّف قاهرة متجمّدة، النتائج المبدئية تلوّح ببعض المكاسب لبعض الشعب الأفغانى الذى دفع الثمن غاليا من المعتدى الخارجى والداخلى على حد سواء. هذه المكاسب لا ينبغى أن يقتنصها أهلُ باطلٍ حتى لو أفرزت حقًّا .(يبدو لى أن هذا التعبير هو الوجه الآخر للتعبير الشائع الذى يقول : “كلمة الحق التى يراد بها باطل”)، ليكن، ولنشكر الصدف التى حررت شعب أفغانستان ، شريطة أن يقبض الناس (الشعب الأفغاني، وكل الناس) الثمن. إن الخوف كل الخوف هو أن نستسلم لكسلنا العقلي، فيتمادى المتصوِِّّر نصره فى تزييف الوعى بإعلامه المُـغرض، ليحوّلوا عائد النصر المزعوم إلى مبرر للتمادى فى السيطرة والوصاية.

الهالة والتعميم

 تـتصور أمريكا نفسُها، ومعها حلفاؤها الحقيقيون، من أول بلير حتى شارون، أنهم ما داموا قد انتصروا بغير معركة، فى جزئية محدودة من خريطة صراع ممتد، فهم على حق، على طول الخط، فى كل شيء. إن هذا التصور يمكن أن يقترب مما يسمى فى الإدراك الحسنفسى “أثر الهالة” Halo effect. إذْ يمدون هذا الشعور بالنصرمن مجاله المحدود إلى تعميم مطلق يجعلهم يعتقدون أنهم المثل الأعلى فى كل شيء: فى نوع الحياة، وطريقة التفكير، ومناهج البحث، وموقع الدين، ووظيفة الفن، وماهية القيم، وبالتالى فإن كل من يخرج عن هذا الذى حددوا معالمه ، يصنّف على أنه”طالبان”، أو “مشروع طالبان” . فلا يتبقى على ساحة وعى البشر إلا سبيل واحد، هو سبيل الأمريكيين ، مع أنه طريق يمكن أن يكون آيلا للانهيار بشهادة أهله .

نهاية التاريخ: نهاية الحياة

 إن النموذج المطروح لحل الصراعات ، بعد النصر المزعوم، أصبح واجب الاتباع من وجهة نظرهم. إنه النموذج الأمثل، أو الأوحد، وهو يقول: “ما على القوِى إلا أن يجمع أبواق إعلامه، إلى حاملات طائراته، إلى مجموع صواريخه، وأن يعلّق لافتة بشعارات مثل لافتات الدعاية لانتخابات مجلس شعبنا الموقر، ثم يجمع كوبونات التأييد الدولى الحكوماتي، وهو يشل مجلس الأمن بأى فيتو، ثم هات يا صواريخ وغارات وتدمير، مع فاصل قصير من الاعتذار عن قتل الأبرياء، وفاصل آخر للتهنئة بشهر رمضان المبارك. ثم عودة لمواصلة القتل والتبرير فالقتل والإذلال والاعتذار ، فالصلح والوصاية والمعونات، ودمتم . وكل من يرفع رأسه كذا أو كذا يخرسونه بصيحة مغوارية تعايره وهى تقول: “ألم ننجح فى أفغانستان” بنفس النموذج ؟!

إذا كان انهيار الاتحاد السوفييتى قد أدّى إلى الوهم الذى شاع تحت اسم “نهاية التاريخ”، فإن المبالغة فى تصوير هذا النصر الزائف فى أفغانستان يمكن أن يؤدى إلى نهاية جدل وحركة الحياة برمّتها، إذ تسود قيمة واحدة، ويتعملق دين واحد، وتركبُ المحمل سلطة واحدة، رغم كل ما تحمل من معالم زيفها، ومنذرات انهيارها. إن المبالغة فى تصوير نصر-هو ليس كذلك- تُعتبر دعوة خفية لأن يكف البشر-كل البشر- عن السعى الواجب نحو تطوير، وتصحيح ، وربما إبدال، هذه الحضارة المتصدعة التى انتبه أبناؤها إلى تصدعها قبلنا بزمن طويل، (قبل طالبان، وقبل بن لادن، وقبل الثلاثاء الأسود وقبل الأربعاء الأبيض راجع كمثال كتاب: فكرة الاضمحلال فى التاريخ الغربي” لـ أرثر هيرمان الذى ورد فى مقال الأسبوع السابق)،

تشابه طالبان وأمريكا

حين تساعدنا يقظة الوعى فى رمضان، وغير رمضان، على فهم أعمق لما جرى ويجرى يمكن أن نكتشف بجهد متوسط وجه الشبه بين المنتصر والمهزوم، مع أنه لا يوجد منتصر أو مهزوم، لا يوجد سوى قوة غبية غاشمة، تسحق قوة بدائية قاهرة خائبة، كما ألمحتُ فى بداية المقال: إن كلا من المنتصر والمهزوم يقفان فى جانب واحد، والناس- كل الناس -هم الذين على الجانب الآخر. إن النصر المأمول ينبغى أن يقيّم بما عاد على أصحاب المصلحة (الناس) فى كل العالم ، وليس بما عاد على أحد فصيلى التصادم وهما معا فى الجانب الآخر بعيداعن “الناس” تعالوا نرى وجه الشبه بين ما هو طالبان السلطة الحاكمة المدعمة من قوى خارجية، وبين ما هو أمريكا السلطة المسيَّرة باللوبى الصهيوني، ومافيا شركات السلاح والدواء والاستهلاك الكمى المتزايد لرفاهية الأعلي. قد يبدو لأول وهلة استحالة وجود وجه شبه، لكن ننظر معا ونحن صائمون:

أمريكا انفعلت لما لحقها، باعتباره إهانة شخصية، فى قيمة ذاتية، وليس فرصة لفحص قضية موضوعية ، تنبه إلى انحراف محتمل لمسيرة الحضارة، واعتبار أن ما جرى هو أحد مضاعفات هذا الانحراف.

وطالبان انفعلت من منطلق تعصّب دينى مغلق وهى تتصور أن هويتها الدينية معرّضة لإغارات لا تقل عن إغارات نيويورك.

أمريكا تملك القوة التى تستطيع أن تمحو بها أفغانستان وغير أفغانستان، لكنها تستعين بشركاء لتغطى بموافقتهم قبح قتلها للأبرياء، وكأن العالم تجمّع، لا لحرب الإرهاب، وإنما لإقرار أنها على حق. فتستولى على قيادة العالم ، وتفرض عقيدتها (عقيدة أنها سيدة العالم، وأن دين الديمقرطية -لا الحرية – التى تمارسها هو الدين الأوحد، وأن “الجهات”وعولمة الشركات العملاقة هو الدين الاقتصادى الوحيد… إلخ(

وطالبان تستمد قوتها من تعصب ديني، وعرقى وقبلي، مدعوم من الخارج، أولا بأمريكا ثم بعد ذلك باكستان والسعودية والسودان وغيرها، هذا فضلا عن دعم الجماعات المتطرفة فى العالم الإسلامي.

أمريكا السلطة تفرض دين العولمة على شعبها، لحساب السلطة، ثم على العالم من خلال الإعلام والمعونات

وطالبان تفرض تفسيرها الخاص للإسلام فتنتصر على الفصائل الأضعف تمويلا، والأقل تسليحا، ثم تستدير إلى شعبها تقهره بأن تفرض قيودا جامدة قاهرة ضد أى حركة إبداع كما تجلّى بعض ذلك فى كارثة إزالة بعض آثار حضارة الإنسانية تطبيقا لتفسير ارتأت صحّته رغم كل ما وصلها من فتاوى أخري.

أمريكا تقتل المدنيين وتهدم المستشفيات، ثم تعتذر أو لا تعتذر، وكأن الاعتذار سوف يحيى الموتى ويبنى البيوت.

وطالبان، وهى فى بؤرة المعاناة من قهر القوة ، تمارس نفس التخريب والنهب والإبادة فى باميان (البلد الذى كان به التمثالان ) قبل مغادرتها منذ أيام.

أمريكا تقتل الأبرياء تحت زعم البحث عن متهم لم تثبت إدانته تحديدا أمام القضاء ، وهى تقتل تحت زعم محاولة القبض عليه، من يتصادف فى طريقها، ثم إن أمريكا هذه هى التى توافق بلا خجل على المضى قدما فى قتل نشطاء الفلسطينيين دون محاكمة، و شارون هو مندوبها السامى لتنفيذ ذلك.

وطالبان تقتل بغير محاكمة (من الناحية الفعلية) القائد “عبد الحق” بطل الحرب ضد السوفييت، مع العلم أن آخر حديث أجراه هذا الشهيد مع مركز منح كارنيه للسلام الدولي، كان فيه من بُـعد النظر وسلامة الرؤية ما هو فى صالح كل فصائل أفغانستان مما يجعل إعدامه بهذه الصورة فعلا شارونيا أمريكيا قحا.

فى اليقظة بركة

يمكننا – ربما ببركة يقظة رمضان- أن نعيد وصف وتصنيف النهاية المناسبة لهذه “الطلب امْرِيكانية” (اسم جديد نحتُّّـهُ خصيصا، بدلا من تسميتها معركة، وهى ليست كذلك) قائلين: “إن أمريكا القوة الغبية القادرة ، لم تنتصر إلا على أمريكا البدائية العمياء العشوائية. كلاهما وجود كمّى تراكمّى متشقق مغلق. لكن أحدهما يخفى تشققه واغترابه تحت لامعِ ثيابه، وبريقِ حليّه، وصليلِ صواريخه، والآخر يحاول أن يخفى تخلفه وخرافاته تحت شعارات يوهم نفسه ويحاول أن يوهم الناس أنها الأصلح دون أى فرصة للمراجعة.

المعركة الحقيقية

المعركة الحقيقية ليست بين طالبان وأمريكا، ولا بين بن لادن ودبليو بوش، فهذه كلها وجوه لنفس العملة، المعركة الحقيقية، كما ذكرتُ سالفا، هى التى تجرى بين الناس كل الناس على ناحية، وبين المال وأهله فى الناحية الأخري. إن سطوة المال وتزايده المضطرد تلقائيا عند طبقة محدودة، تزداد ثراء بقدر ما تقل عددا، تجعلنا فى بؤرة المعركة الحقيقية. انتبه أغلب الناس إلى ضرورة الخوض فى هذه المعركة الدائرة بين نوعية حياة تسوّق الرفاهية وكلمات حول العدل وحقوق الإنسان تُستعمل من الظاهر. وبين نوعية حياة تستعمل الأدوات التى أنجزتها المدنية والحضارة المعاصرة لمزيد من الإبداع وإطلاق مسيرة النمو.

 المطلوب -كى ننتصر، نحن الناس- أن ننتبه حتى لا يجرونا إلى معارك لم نخترها، أو يزعمون النصر فى معركة لم توجد أصلا.

المطلوب هو ألا نفرح لنصر فريق على فريق وهما يمثلان نفس القيمة رغم ما يبدو من أنهما عكس بعضهما.

 المطلوب هو أن نواصل المحاولة ، مهما بدت مستحيلة، مهما بدا الغريمان ليسا معنا، بل لعلّهما ضدنا تماما، واحد بانغلاقه الخائب، وغضبه الأعمي، وقهرة ناسه حتى الإعاقة (طالبان) . والثانى بآلته العمياء أيضا التى كلما زادت نجاحا زاد هو عمى وتخبطا (أمريكا).

المطلوب هو أن نواصل المحاولة نحو إبداع نظام يسمح أن نتقدم فى اتجاه الطبيعة (البشرية والكونية) لا أن نرجع إلى الماضى نجتره أو نعيده بحذافيره، وأيضا دون أن نـُستدرج إلى معارك جانبية معطلة

تحذير

إن هذا كله يحتاج من كل واحد منا أن ينتبه إلى دوره، وفى نفس الوقت أن يحذر بشكل متزايد من أى حل مثالى يعِدُ بما لا يمكن تطبيقه، أو ينسى احتياجات الناس الأساسية وهو يتكلم عن طموحات البشر التطورية.أو يرفع شعار الانطلاق إلى هارمونية الإيمان وهو لا يفعل شيئا إلا الجمود عند تفسير ثابت قديم.

المعركة الحقيقية ما زالت مستمرة، لم ينتصر أحد بعد، ولن يُـكتب النصر فى نهاية النهاية إلا لمن ينجح أن يتعمق الطبيعة البشرية، حتى يظهر نظام يسمح بتحقيق هذه الطبيعة كما خُلقت، وكما وعَدَت وكما تـعِِـد.

ليس نصرا أن تقلب نظام حكم بدائى يحمل مقومات نهايته منذ البداية، وليس نصرا أن يكون هذا هو المبرر الذى يسمح بالتجاوز عن قتل أبرياء، وتصفية الخصوم دون محاكمة.

النصرالحقيقى آت لا ريب فيه، نحن جميعا نصنعه من الوعي، والألم، والفعل، والإبداع، على أرض الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *