الرئيسية / مقالات صحفية / جريدة الوفد / “صِحيحْ ما تِكسَرِى، ومكسورْ ما تاكلى، وكُلىِ يا ضناىَ لمّا تشبعىً!!”

“صِحيحْ ما تِكسَرِى، ومكسورْ ما تاكلى، وكُلىِ يا ضناىَ لمّا تشبعىً!!”

نشرت فى الوفد

21-4-2010

تعتعة الوفد

“صِحيحْ ما تِكسَرِى، ومكسورْ ما تاكلى، وكُلىِ يا ضناىَ لمّا تشبعىً!!”

وددت لو أننى توقفت عن الكتابة فى ظاهرة البرادعى بعد أن تأكد لى يقينا، أنه أبعد نظرا من أن يرشح نفسه، وهذا يجعلنى أضاعف من شكرى له، وتقديرى لجدية ما يقوم به كمواطن شعر أن عليه واجب ألا يتعالى عن ممارسة حق طبيعى، ينبغى أن ينتبه إليه أى مواطن، حتى لو لم تتح له الفرصة لتحقيقه واقعا إلا بعد مائة عام.  نعم الحق  يظل حقا حتى لو ظل الحصول عليه مستحيلا،  الحق لا يسقط بالتقادم: من حق أى مواطن أن يتصور أنه قادر أن يخدم ناسه ونفسه، فى أى موقع، إذا أتيحت له الفرصة، ليس فقط لأن هذا حقه، فهو واجبه أيضا!! هذه هى القضية الأساسية.

الذى يحول بين أى مواطن وبين تصور إمكانية تمتعه بهذا الحق هو سلسلة من الوصاية والأحكام والمؤسسات  تبدو كلها كأنها أزلية الوجود،  مع أنها قد تكون – فى ظروف مثل بلدنا – ليست سوى تماثيل نحتوها بمعرفتهم من صلب غير قابل للصدأ أو الخدش، هذه التماثيل سرعان ما يقدسها صانعوها، ثم هم يفرضون عبادتها على بقية الناس تحت أسماء مختلفة.

 حين اقترب البرادعى من هذه المقدسات المتألهة انطلقت الأحكام تتهمه مرة “باللوع السياسى”، وبالتهريج والتمثيل والمنظرة… وهى تردد ما معناه: “ما دام لن يرشح نفسه فلم كل هذه “الهيصة والزمبليطة”، ثم لعلهم أضافوا سرا: “وحتى إذا رشح نفسه، فلماذا أيضا كل هذا ما دمنا نضمن له أنه يستحيل أن ينجح”. ثم راحوا يتساءلون أيضا: لماذا لا يكتفى هذا الشيخ المرفه بالتمتع بشمس الشتاء فى قصره بجوار فندق الواحة، ثم يتمتع بنسائم الصيف فى بيته الريفى فى فرنسا، كل ذلك  لأنه “البرادعى باشا”، ولا مانع أيضا أن يوصف بأنه “عدو العمال والفلاحين” (والله زمان!!!).

التعقيب على كل هذا يحتاج عدة مقالات لا نفع منها غالبا، فلا أنا من مؤيدى البرادعى رئيسا، ولا هو يمثل تهديدا حقيقيا للواقع المر الجارى بالقصور الذاتى المرعب،  أنا فقط أدافع عن حق كل مواطن أن يأمل، وأن يحاول، وأن يثور مادام يتحمل مسئولية ما يفعل،  لذلك سوف أكتفى بتعليق مختصر على مقال واحد لمسئول مهم، محترم، رصين، خليق بما وصفه الصديق سعد هجرس فى تعقيبه على نفس المقال، هو الدكتور عبد المنعم سعيد، بكل ليبراليته، وأكاديميته، وموضوعيته، ووظيفته، وقلمه. المقال بعنوان “حديث آخر جاد مع الدكتور البرادعى” (الأهرام 10-4) وهو يحتوى قدر من الجدّية، ومن مطالبة البرادعى بالجدية ما يلزمنا أن نأخذه مأخذ الجد بقدر المستطاع

المقتطف (1):

“…المقصود بالجدية هنا هو أن نبدأ أولا فى معاملة الدكتور البرادعى وكأنه واحد منا”

التعقيب:

أكثر الله خيرك يا سيدى  إذْ سمحت أن تعامله “كأنه واحد منا”، ربما بإعادة منحه الجنسية المصرية!!!

المقتطف (2):

“….هذا المنطق (استعداده للترشح إذا ما طلب الشعب ذلك) فيه قدر من الغموض‏،‏ وقدر من التناقض الذى لا أدرى لماذا لم يكتشفه أحد من مؤيدى الدكتور البرادعى أو حتى خصومه‏;‏ حيث إن ما يطلبه رجلنا هنا هو خروج على الدستور الحالى بتعديلات فى مواد أساسية عن طريق لم يأت فى الدستور أصلا”

التعقيب:

مع أننى لست من مؤيدى البرادعى، ولا من خصومه، فإننى لم ألاحظ أى تناقض وأى غموض فى المطالبة بتعديل دستور هو ليس تنزيل إلهى على حد علمى..

المقتطف (3):

“… فإنك لا تعرف على وجه التحديد عما إذا كان صاحبنا يريد الخروج على النظام أو الدخول فيه وتعديله‏”

التعقيب:

كيف بالله عليك يا سيدى يدخل فى النظام ، والدخول فيه لا يتم – فى واقع الحال – إلا بالتسجيل فى الحزب الوطنى جدا؟ فى قريتنا – سيدى – مثل رائع يجسد معنى المطالب المستحيلة، تماما مثل هذا الذى تطلبه من البرادعى، يقول المثل على لسان حماة تخاطب زوجة ابنها وهى تدعوها للمشاركة فى الأكل، والخبز جاف تماما، تقول الحماة: “صِحيحْ ما تِكسَرِى، ومكسورْ ما تاكلى، وكُلىِ يا ضناىَ لمّا تشبعىً!!”

وقياسا يمكن أن تصلنا توصية الكاتب القدير وهو يقول للبرادعى: إياك أن تقترب من الدستور المقدس أو تلمسه، لكن النظام يرحب بك فى داخله ويضمن لك أن يعتبرك واحدا منا، وعليك أن تغيره من داخلنا (الوطنى!!)، ثم لك بعد ذلك أن ترشح نفسك للصبح !!.

المقتطف (4):

“…‏ بل أنه كثيرا ما يتحدث عن كونه لا يريد الاعتراف بشرعية القوانين القائمة لأن النظام نفسه ليس شرعيا‏”

التعقيب:

الذى لا يعترف بشرعية القوانين هو مجرم أو ثائر، ولأن البرادعى يقدس القانون ولو وراثة، فضلا عن أنه يقدس العلم، إذن لم يبق إلا أن يكون ثائرا، والثائر له قوانينه المشروعة من وجهة نظره عبر التاريخ، وإلا كان على ثوار يوليو أن يغيروا النظام من داخل القصر الملكى.

ثم يمضى الكاتب القدير، والأكاديمى العالم فى تنبيه (ولا أقول معايرة) البرادعى، أنه حتى الآن لم يحصل إلا على بضع مئات، وعلى أحسن تقدير، آلاف من المؤيدين، وأن هذا العدد لا يمثل أى ضغط على الحكومة، فهو يقول:

المقتطف (5):

(أ) “… وما حدث فعليا هو أن النقابات المصرية لم تلب النداء المطلوب منها…. ‏”

(ب) “..‏ ما حدث فعلا أن الملايين لم تأت‏،‏ ولم توقع‏،‏ وما حصل عليه الأنصار لا يزيد على عشرة آلاف‏”.

ثم المقتطف الأخير (6):

“….إن المنطق الليبرالى والوطنى يؤكد بالضرورة أن يكون التغيير عملية مؤسسية تجرى فى البلد المعني‏،‏ وليس من خلال فرد‏،‏ أو مجموعة أفراد‏،‏ يقررون دون تداول ونقاش وأخذ وعطاء، فى الشكل والمضمون مع من بيدهم التغيير‏”

التعقيب:

 يا ترى من يقصد الكاتب القدير بـ “من يبدهم التغيير؟”: مجلس الشعب ، أم الحزب الوطنى، أم سيادة الرئيس، وما الذى يضطر أى من هؤلاء أن يوافق أو حتى يسمح بطرح أى تغيير أيا كان.

وبعد

يشتمل المقال بعد ذلك على آراء غريبة على كاتب المقال الليبرالى، فهى آراء مليئة بالهمز واللمز للديمقراطية، ربما لمّا تصور أن البرادعى يمثل ديمقراطية أرسخ، آراء يمكن أن تخرج من واحد مثلى لم يعلن يوما أن “الديمقراطية هى الحل”، خاصة تلك المعروضة حاليا، وقد كنت أتوقع أن مناقشة هذه الآراء سوف ترد فى تعليق الصحفى القدير الصديق سعد هجرس،  وهو إشتراكى ليبرالى بديع،  لكن يبدو أن سماحته ، ورغبته الجارفة  أن تتحالف كل القوى الوطنية، والسياسية قد صورت له إمكانية أن يكون هذا المقال مدخلا إلى تفاهم أكثر احتراما وجدية، ولو كان المدخل هو “ثقب إبرة”،  عنوان مقالة سعد هو “مبادرة للعبور من ثقب إبرة” (المصرى اليوم 13/4/2010)، وقد حاولت أن أدخل من هذا الثقب لكننى انحشرت فيه، ولم أتمكن أن أدخل جنتهما “الديمقراطية جداً” ،   “وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ”

ولى معك يا سعد كلام آخر،

 ربنا يخليك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *