الرئيسية / مقالات صحفية / جريدة الوفد / فى روضة أطفال الديمقراطية: كى جى ون (1 من 3)

فى روضة أطفال الديمقراطية: كى جى ون (1 من 3)

نشرت فى الوفد

23-3-2011

فى روضة أطفال الديمقراطية: كى جى ون (1 من 3)

منذ حوالى تسع سنوات كتبت فى هذه الصحيفة، الوفد الغراء، 30 مايو 2002 مقالا بعنوان: “ديمقراطية : كى. جى. تو!”.

 المفروض أن ينتقل الطفل من سنة أولى روضة، إلى سنة تانية روضة، لكن يبدو أننى بعد كل هذه السنين اكتشفت أننى – مع من مثلى- مازلنا فى سنة أولى روضة “كى جى وَن”؟

 حين عشت تجربة السبت الماضى سبت الاستفتاء العظيم، وقبل إعلان النتيجة المهمة التى سأعود لمناقشتها لاحقا، رحت أجمع ما كتبت طوال ما يقرب من ثلاثين عاما عن الانتخابات عامة، وعن الديمقراطية بوجه خاص، فوجدت أننى لم أكف عن إعادة تحذيرى من الاستسلام لأية شعارات مختزِلة مثل تلك التى تزعم أن “الشىء الفلانى”، أو “المبدأ الفلانى”، أو حتى اسم هذا الدين الربانى، هو الحل!! استعمال هذه الشعارات هو استعمال شائع عبر التاريخ وفى كل مكان، وهو يمتد حتى إلى المناهج العلمية، الرصينة المغلقة، هذا الاختزال الحاسم كذا: “هو الحل” لا يقدم حلاَّ كما يلوح لأول وهلة، وإنما هو يدل على فرط الجمود، وإلغاء أى احتمال آخر، كما يدل على التعصب والكسل العقلى، أشهر هذه الشعارات فى عالم السياسة عندنا هو: “الإسلام هو الحل” ثم يليه فى ذلك “الديمقراطية هى الحل”.. هذا الصنم الجميل المستورد غالبا.

 منذ سنة 1984 وأنا أكتب هنا فى الوفد بوجه خاص، ولم أتردد فى أى من هذه الكتابات وغيرها من إعلان أننى لست ديمقراطيا إلا رغم أنفى، وقد حاول شيخى نجيب محفوظ أن يعالجنى من “فقر الديمقراطية” بإلحاح النطاسى البارع المؤمن الصبور، لكننى لم أشْفَ تماما وإن كنت قد اضطررت للوعد بتعاطى حبوب الديمقراطية فى الضرورة القصوى، بعض الوقت، باعتبارها “أحسن الأسوأ” حتى نجد الأحسن، كنت دائما أشك فى قدرة الوعى العام أن يستوعب مصلحته من خلال عقله الظاهر فحسب، لكن شيخى ظل يقرص أذنى بحنان بالغ وهو يعلمنى أن جُمّاع الناس يشمل تشغيل مستويات العقول الأخرى التى أخشى نسيانها أو تناسيها، وبصراحة تحسنت قليلا حتى صغت ذلك الذى علمنى إياه شيخى شعرا فى عيد ميلاده الثانى والتسعين (الأهرام 15-12- 2003) قائلا:

صالحْتَـِنى ‏شيخى ‏على ‏ناسىَ‏، ‏وكنُت‏ ‏أشكُّ‏ ‏فى ‏بــَلَهِ‏ ‏الجماعة‏ ‏يُخْدعُونَ‏ ‏لغير‏ ‏ما‏ ‏هُـْم‏.‏

‏ ‏صالحتـنى ‏شيخى ‏على ‏زخم الجموِع فَخِفْتُ‏ ‏أكثر‏ ‏أن‏ ‏أضيع‏ ‏بظلِّ‏ ‏غيرى.‏

ثم هأنذا أعيش هذه الأيام هذا البعث الثورى الذى أطلقه شباب 25 يناير من داخلنا فى ميدان التحرير، وإذا بى أقترب من واقع جديد يحيى أملا جديدا ليشجعنى أن أتعاطى نوعاً أقدم من الديمقراطية، غير “ديمقراطية الإنابة”، بدت لى ديمقراطية ميدان التحرير أٌقرب إلى الديمقراطية المباشرة التى كانت تمارس فى أثينا منذ أكثر من ألفى عام، وبرغم فرحتى بهذا الاكتشاف حين يشترك كل الناس، ما أمكن ذلك، فى اتخاذ القرار، وهم يتحملون (المفروض يعنى) مسئوليته، روادتنى مخاوف كثيرة مع مرور الأيام، حتى عاودتنى الشكوك فى سطحية العقل الجمعى واحتمال انحرافه، فجموع الناس قد تحكم على الطاغية بنفس السهولة التى تحكم بها على النبى الجديد، أو الصوفى، أو العبقرى، وهذه الجموع أيضا التى قد تجتمع على صواب، وتقصى أو حتى تعدم الظالم، قد يختلط فيها الحابل بالنابل تلقائيا، أو بفعل فاعل، ظاهرٍ أو خفىّ، لتنقلب إلى غوغائية القطيع، وهكذا وجدتنى طول الوقت فى لجة من الفرح المحاط بقنوات من الخوف والحذر، ويحضرنى تاريخ محمل بتخبط الجماهير وانسياقها وراء أى إعلام خبيث، أو كاريزما لامعة فارغة، أو تهييج شبه دينىّ عشوائى، واسمع أمير الشعراء أحمد شوقي في رائعتة مسرحية (مصرع كيلوباترا) وهو يحذر من مثل هذا الاحتمال  “مارك أنطونى ديون” قائلا:

اسمع الشعب ( ديون) كيف يوحون إليه

ياله من ببغاء عقله فى أذنيه”

ويحضرنى أيضا صلاح عبد الصبور فى نهاية مأساة الحلاج والقاضى يلقن العامة حكم الإعدام قائلا:

“ما رَأْيكُمُو يا أهْلَ الإسلامْ؟
…….
والآن امْضُوا ، وامْشوا في الأسْواقْ
طوفُوا بالسَّاحَاتِ وبالحَانَاتْ
وَقِفُوا في مُنْعَطَفاتِ الطُرقاتْ
لتقولوا ما شَهِدَتْ أَعيْنكُم
قّدْ كَانَ حَدِيثَ الحلاَّج عَن الفَقْرِ قنِاعاً يُخْفي فَقْره
لكنَّ الشِّبْلي صِاحبهَ قد كَشَّفَ سِرَّهْ
……..

الدَّولةُ لمْ تَحَكُمْ
بَلْ نَحنْ قُضَاةَ الدَّولْةِ لِمْ نَحْكُمْ”
أنْتُم . . .
حُكِّمْتمُ فَحَكَمْتُمْ
فامضوا قولوا للعامَّهْ
العامَّةُ قَدْ حَاكَمتِ الحَلاْج

طوال الأسابيع السبعة السابقة، وحتى ليلة الدعاية لتعديلات الدستور (17الجارى)، وأنا أترجح بين فرحتى بـ “الشعب يريد … كذا كذا” وبين “الشعب يعمى عن كيت وكيت”

 فى مقالى الباكر السابق الإشارة إليه  بعنوان “يوميات ناخب حزين7-6-1984 جاء ما يلى:

…… “راودنى ‏أمل‏ ‏عنيد‏ ‏أنى ‏انسان‏ ‏محترم‏، ‏أعيش‏ ‏فى‏ ‏بلد‏ ‏محترم‏، ‏وأنى ‏أستطيع‏ ‏لذلك‏ – ‏وبذلك‏- ‏أن‏ ‏أقول‏ ‏رأيى ‏فيمن‏ ‏يحكمنى، ‏بل‏ ‏أن‏ ‏أصدر‏ ‏قرار‏ ‏تعيينه‏، ‏وأن‏ ‏أخطئ‏ ‏فى ‏ذلك‏ ‏أو‏ ‏أصيب‏، ‏وأن‏ ‏يصححنى ‏رأى ‏الأخرين‏، ‏وحساب‏ ‏ضميرى، ‏ومتابعة‏ ‏اجتهادى، ‏وتوفيق‏ ‏ربى، ‏كان‏ ‏ذلك‏ ‏بمناسبة‏ ‏عودة‏ ‏حزب‏ ‏الوفد‏ ‏بحكم‏ ‏قضائى ‏ليحيا‏ ‏العدل‏، ‏ولست‏ ‏وفديا‏” .‏

وفى مقال تال بعد ثمانية عشر عاما،30 مايو 2002 بعنوان: “ديمقراطية : كى. جى. تو!!”، بدأت أتحفظ على ما يسمى ديمقراطية أكثر فأكثر فجاء فى هذا المقال ما يلى:

…. “إنها الديمقراطية، تلك الخدعة العصرية الضرورية الملتبِسة. إنها ليست مرادفة للحرية، ولا هى مبرّأة من كونها قد صارت مخلبا فى يد أصحاب أموال غير نظيفة، وإعلام غير عادل، وسلطات غير شريفة. على الرغم من كل ذلك فما زالت هى أحسن الأسوأ”.

وفى20/6/2002 فى الوفد أيضا كتبت بعنوان: “واحد ديمقراطية، وصلّحها”، زاد نقدى للديمقراطية حتى قلت:

…… لو أن كل واحد سأل نفسه تفصيلا عن مفهومه الحقيقى للديمقراطية، وعن مدى استعداده لتحمّل مسئولية تطبيق ما يقول، إذن لتبين أغلب المتحمسين أنهم يريدون ديمقراطية خصوصية، ديمقراطية “تفصيل”، ديمقراطية قابلة للتعديل حسب الظروف والنيّـة ورضا الوالدين، و”من يكسب المليون”.

ثم فجأة – هذه الأيام – وبفضل هؤلاء الشباب وكل من ساندهم، وجدت نفسى أدخل مدرسة أكثر مصداقية وألزم تعليما وهى “مدرسة ديمقراطية 25 يناير”، وجاء يوم افتتاح الدراسة يوم السبت 19/3/2011، فعشت خبرة جديدة تماما

وحتى أتحدث عن هذه الخبرة الأسبوع القادم، وربما بعده، دعونا نقرأ معاً ما أنهيت، مقالى الباكر جدا

……..

الأربعاء: وأعلنت النتائج‏1984:‏

….”ياساتر يارب‏!! ‏ماذا‏ ‏حدث‏؟‏ ‏وما‏ ‏فائدة‏ ‏صوتى ‏اذن‏؟‏ ‏وأين‏ ‏الأمل‏‏؟‏ ‏هل‏‏ ‏وفعلوها‏ ‏بالجهود‏ ‏الذاتية‏؟‏ ‏إلى ‏أين‏ ‏نحن‏ ‏ذاهبون‏‏؟‏ ‏الويل‏ ‏لمن‏ ‏يحرمنا‏ ‏الأمل‏، ‏الويل‏ ‏لمن‏ ‏يضطرنا‏ ‏الى ‏ما‏ ‏لا‏ ‏نحب‏، ‏يارب‏ ‏سترك‏ .‏

الخميس‏1984‏:

أقرأ‏ ‏رائعة‏ ‏جابرييل‏ ‏ماركيزا‏، ‏مائة‏ ‏عام‏ ‏من‏ ‏العزله‏: .. ‏كان‏ ‏عدد‏ ‏الأوراق‏ ‏الزرق‏ ‏والحمر‏ ‏متساويا‏ ‏تقريبا‏ ‏لكن‏ ‏الرقيب‏ ‏لم‏ ‏يدع‏ ‏منها‏ ‏الا‏ ‏عشرة‏ ‏وأكمل‏ ‏الفرق‏ ‏بأوراق‏ ‏زرق‏ .. ‏قال‏ ‏اوريليانو‏ ‏سوف‏ ‏يحارب‏ ‏الأحرار‏ ‏فيرد‏ ‏عليه‏ ‏ممثل‏ ‏السلطة‏ ‏انهم‏ ‏لن‏ ‏يعلنو‏ ‏الحرب‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏تبديل‏ ‏أوراق‏ ‏الاقتراع‏ – ‏ولكن‏ ‏الحرب‏ ‏تعلن‏، ‏وبعد‏ ‏ثلاثين‏ ‏صفحة‏ ‏يقول‏ ‏أحد‏ ‏الثوار‏ ‏المحاربين‏ ‏معترضا‏ ‏أصلا‏ ‏على‏ ‏محاولة‏ ‏التغيير‏ ‏بالأسلوب‏ ‏الديمقراطى (مادام‏ ‏الأمر كذلك‏) …. ‏اننا‏ ‏نضيع‏ ‏وقتنا‏، ‏وسنظل‏ ‏نضيعه‏ ‏ما‏ ‏دام‏ ‏اوباش‏ ‏الحزب‏ (يعنى ‏حزبه‏ ‏الثائر‏) ‏لا‏ ‏ينقطعون‏ ‏عن‏ ‏شراء‏ ‏مقعد‏ ‏فى ‏الكونجرس‏ (ما يقابل ‏مجلس‏ ‏الشعب!!) ‏وأسأل‏ ‏نفسى ‏أليس‏ ‏هذا‏ ‏بالضبط‏ ‏ما تدفعنا‏ ‏اليه‏ ‏هذه‏ ‏الحكومة‏، ‏أو‏ ‏حزب‏ ‏الحكومة‏، ‏أو‏ ‏حرص‏ ‏وغباء‏ ‏المنتفعين‏ ‏بالحكومة‏‏؟‏ ‏

الجمعة‏1984:‏

أفظع‏ ‏ما‏ ‏سمعت‏ ‏وأبأسه‏ ‏ليس‏ ‏مقتل‏ ‏نائبة‏ ‏شجاعة‏، ‏ولا‏ ‏خطف‏ ‏مندوب‏ ‏مناضل‏، ‏ولا‏ ‏تسويد‏ ‏يتم‏ ‏ببعض‏ ‏رجال‏ ‏الجامعة‏، ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏له‏ ‏من‏ ‏يحقق‏ ‏فيه‏ ‏وليس‏ ‏عندى ‏ما‏ ‏يحيطنى ‏بكل‏ ‏أبعاده‏، ‏الأفظع‏ – ‏لوصدق‏ – ‏هو‏ ‏حكايات‏ ‏بطاقات‏ ‏زوجات‏ ‏رجال‏ ‏القوات‏ ‏المسلحة‏ ‏التى ‏استخرجت‏ ‏فى ‏غير‏ ‏الميعاد‏ ‏والتى ‏سود‏ ‏بعضها‏ ‏بغير‏ ‏حضور‏، ‏اذ‏ ‏لو صح‏ ‏هذا‏ ‏فهو‏ ‏افتراض‏ ‏ضمنى ‏أن‏ ‏القوات‏ ‏المسلحة‏ ‏توجَّه‏ ‏لتأييد‏ ‏حزب‏ ‏معين‏، ‏وأدعو‏ ‏الله‏ ‏ولتدعوه‏ معى ‏ألا‏ ‏يصح‏ ‏فى ‏قليل‏ ‏أو‏ ‏كثير‏، ‏يارب‏ ‏سترك‏ .‏

السبت ‏1984:‏

ولو‏ …، ‏ياسيدى ‏رئيس‏ ‏الدولة‏: ‏انهم‏ ‏يصرون‏ ‏على ‏أن‏ ‏نيأس‏ ‏اذ‏ ‏يفشلونك‏، ‏فتنبه‏ ‏لما‏ ‏يفعله‏ ‏عمالك‏، ‏لأننا‏ ‏جميعا‏ ‏سوف‏ ‏ندفع‏ ‏ثمنه‏، ‏وأنت‏ ‏أولنا‏ ‏وليتحمل‏ ‏مثلى ‏الحزن‏ ‏ما‏ ‏شاء‏ ‏ولكن‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يفقد‏ ‏عناد‏ ‏التفاؤل‏ ‏حتى ‏بعد‏ ‏الذى ‏كان‏، ‏لأن‏ ‏اليأس‏، ‏سيدى، ‏هو‏ ‏بداية‏ ‏الخراب‏ ‏بكل‏ ‏معنى ‏وسلاح‏.‏

والى ‏الجولة‏ ‏القادمة‏ ‏مهما‏ ‏طال‏ ‏الزمن‏.

(انتهى المقال)

وبعد:

وجاءت الجولة بعد ثلاثين عاما إلا أربعة

 وهذا ما سوف أتناوله فى الأسابيع القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *