الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / الطبنفسى الإيقاعحيوى (65) Biorhythmic Psychiatry الجذور (12) بداية توصيات تطبيقية من واقع الفروض المتاحة

الطبنفسى الإيقاعحيوى (65) Biorhythmic Psychiatry الجذور (12) بداية توصيات تطبيقية من واقع الفروض المتاحة

نشرة “الإنسان والتطور”

السبت: 2-7-2016

السنة التاسعة

العدد:   3228

 الطبنفسى الإيقاعحيوى (65)

Biorhythmic Psychiatry

 الجذور (12)

بداية توصيات تطبيقية

من واقع الفروض المتاحة

2-7-2016_1

مقدمة:

النقلة التى يمكن أن ينقلها هذا الفرض ليست نقلة فرعية أو جزئية، مع تمادى الكتابة فيها ومحاولة تقديمها لمن لم ولا يألف هذه اللغة أكتشفُ أكثر فأكثر مصدرها العملى الإكلينيكى، كما أطمئن إلى جدواها إن أمكن استيعابها فتطبيقها، ثم دعونى أعترف أننى حين أكتب بحيْرة واجتهاد تحضرنى ممارساتى ماثلة حتى أشعر أننى أكتب من واقع ما عايشته وأعايشه مع مرضاى ونفسى، وأحيانا تلاميذى وأصدقائى الأطفال والأميين، وقبل ذلك وبعد ذلك فى رحاب ربى، أشعر وكأننى أقرأ فى كتاب مفتوح، فأخاف، وأكاد أتهم نفسى بما يتهمه زملائى مرضاهم، لكننى لا أتراجع.

يضطرنى ذلك كثيرا للاستعانة بأشكال توضيحية أعلم مدى سخفها أحيانا، كما أعرف كيف يمكن أن تختزل ما أريد أن أوصله، ومع ذلك فإننى أجده سبيلا أيسر من رص الكلمات لمن لا يعرف إلا الكلمات.

الفضل فى استمرارى برغم هذه البصيرة التى أدعو الله أن تكون مفيدة ولو جزئيا، الفضل يرجع إلى ندرة من يتابعنى، وسواء كان ذلك هو النتاج الطبيعى لجدّة الفروض أو لغرابة التناول، أو لعجزى عن الإيضاح أكثر أم  لكسل فى التلقى، فإن النتيجة هى أننى مستمر بأقل قدر من التردد مثلما هو حالى الآن.

ذكرت مرارا أن التشكيل والتصوير هما من أقدر الوسائل التى تكشف عن الفطرة كما خلقها الله، وليس فقط فطرة البشر وإنما فطرة الأحياء جميعا، بل والنباتات والطبيعة أيضا، وكذلك ألمحت من بعيد إلى الموسيقى التى ليس لى سهم فيها مقتديا بشيخى شارلز داروين الذى تمنى فى آخر حياته وهو يحاسب نفسه لو أتيحت له حياة أطول، أو أخرى، لينهل منها ما كان ينبغى أن ينهله (أنظر نشرة 3/8/2014).

ذكرت أيضا نوعين من الإبداع المكتوب اعتبرتهما مدخلا أصدق وأعمق لتقديم هذا العلم الفنى أو الفن العلمى المسمى “الطب النفسى” ألا وهما “الشعر” و”النقد”، وقد بينت مبررات ذلك مرارا.

 صعوبات وإيضاحات

اليوم وأنا على وشك أن أدخل كما وعدت إلى تقديم الوظائف النفسية الواحدة تلو الأخرى، ومحاولة تصنيف نوعيتها فى كل حالة من حالات الوجود الثلاثة مضافا إليهما حالتى الجمود وحالة التفسخ/الجنون، وبرغم أننى كنت قد عرضت بعض ذلك ولكن فى صورة مجدولة وأنا أتعرض لوظائف النفسية فى ملف “الافترضات الأساسية” تمهيد للدخول فى اضطرابات كل وظيفة على حدة، أقول برغم ذلك وجدت أن المسألة سوف تكون فى غاية الصعوبة وذلك على الوجه التالى:

أولاً: اعتدنا أن نشرح كل وظيفة بمواصفات ومعالم ثابتة واضحة فى حالة السلامة، ثم ننتقل إلى اضطرابات كل منهما عادة بتسمية أعراض بذاتها كما سبق فى الجزء الأول من كتاب “الأساس فى الطب النفسى” الذى لم يكتمل، لكننى فوجئت أن الوظائف من هذا المدخل لن تقتصر على هذين البعدين المتقابلين بين “الحالة الصحية” مقابل الاضطراب المرضى، وذلك بعد أن أصبح – حسب الفرض – لكل وظيفة خمس حالات تختلف فيها مواصفاتها فى كل حالة عن الأخرى.

ثانياً: وجدت أنه إذا أمكن تمييز “حالة الجنون” فى مقابل “حالة العادية” كما جرى الاستقطاب المألوف، فإنه سوف يصعب تمييز وتوصيف “حالة الحيرة المفترقية” التى اسميتهُا فى البداية حالة الجنون/اللاجنون ثم عدلت لأسميها “الحالة المفترقية الخلاقة” (سواء تم الخلق ابداعاً أم أُجْهضَ جَنونا) وأيضا قد يصعب تقديم تمييز حاسم بين حالة العادية الأقرب للسواء الشائع وحالة فرط العادية الأقرب إلى الاغتراب واضطراب الشخصية، أما حالة الإبداع التى هى وثيقة الصلة بالحالة المفترقية فإذا كان من السهل تقييم أو نقد ناتجها، فإنه يصعب تماما تقديمها كحالة حركية متبادلة مع الحالات الأخرى لأنها عادة لا تتميز إلا بعد أن تُعْلَنُ فى صورة نتائجها الإيجابية، برغم أننى أتعامل مع الإبداع فى جذوره الأعمق التى تشمل استمرار إبداع الذات فى دورات النمو الدالئمة وليس فقط فى أزمات النمو، وهذا يساير مفهوم أن الشخصية الإنسانية هى فى حالة نمو دائم، وهو ما أشرت إليه بتعبير “فى الـْيَتَكوَّنْ” Always in the making  (نشرة 16-1-2016).

ثالثاً: إن فرض الإيقاعحيوى المستمر طول الحياة، وهو الفرض الذى استوعب واحتوى الفروض التطورية الممتدة، هو فرض يتعامل مع وحدات زمن مختلفة الأبعاد والمساحات تتراوح ما بين أجزاء الثوانى إلى سنين العمر، وبالتالى فإن حركية التبادل التى تجرى فى الوحدات الزمنية الأقصر لا يمكن إيقافها لرصدها وتوصيفها إلا استنتاجا، كما أن  زمنها يمتد على وحدات زمنية شاسعة المساحة، صعبة الرصد، وهكذا نعتمد على دورات الإيقاع الأطول، التى قد تساعد فى القياس للدورات الأصغر فالأصغر.

رابعاً: إذا كنا نذكر أن هذا الاستطراد إلى هذا الفرض الذى كاد يبلغ كتابا بأكمله هو ضمن باب “فحص الحالة النفسية” من منطلق الطبنفسى الإيقاعحيوى، فمن الطبيعى أن يتساءل المتلقى، وقبل ذلك أن يلتزم مقدم الفروض، عن إمكانية التطبيق الفعلى للتمييز بين هذه الحالات حتى يكون لهذا التمييز فائدة عملية فى الممارسة الإكلينيكية على أرض الواقع.

خامساً: إن التعرف على المواصفات العامة والتقريبية لهذه الأحوال الخمسة جدير بأن يسهم فى تخطيط “النفسمراضية التركيبية”(1)من واقع الحال مرتبطة بالنفسمراضية السببية(2)، وهو الأمر البالغ الأهمية فى التخطيط العلاجى المتكامل وهو يفوق فى الأهم مجرد تحديد الأعراض للوصول إلى تشخيص سلوكى مختزل غالبا مهما تحددت معالمه.

سادساً: إن التعرف على مواصفات هذه الحالات المتبادلة لا يغنى عن التعرف على مواصفات الدورات الأخرى البالغة الأهمية والسابق شرحها مثل الدورات النمائية المتعاقبة باستمرار (“الانعزالية” – “الكرّفَـرِّيَة” – “الجدلية”) وكل هذه الدورات كما سبقت الإشارة مبينا فى الاشكال المصاحبة بما يوضح أنها مواكبة لبعضها البعض، متكافلة فى تنظيم إيقاع الفطرة، وليست متتابعة أو متعارضة مع بعضها البعض فى حالة السواء بصفة عامة.

سابعاً: إن تبنى هذه الفروض جدير أن يغير موقف الطبيب والمعالج فتصبح حركية وعيه شخصيا – وليس فقط معلوماته – عاملا إيجابيا فى توجيه حركيته بالنسبة لتبادل الحالات الثلاثة الإيجابية عنده  شخصيا كما عند مريضه على حد سواء، ناهيك عن احتمال نقلة أكثر جسارة حين تنشط الحالتين السلبيتين لفرط العادية والجنون إلى احتمال العودة إلى المشاركة والإسهام فى تبادل نشط مرة أخرى من خلال الوعى البينشخصى فالجمعى الأمر الذى يصبح عاملا فاعلا فى تحسين “التكهن” prognosis بسير المرض ومآله outcome لكثير من المرضى إذا ما اتيحت لهم الفرصة.

ثامناً: إن ارتباط كل ذلك بالطبيعة عامة دون فصل الطبيعة البشرية عن الطبيعة الحياتية عن الطبيعة الكونية، هو أقرب إلى “الثقافة الإيمانية” المفروض أنها أقرب إلى ثقافتنا الخاصة قبل أن تتشوه بالتجميد السلفى أو باستيراد القيم والأيديولوجيات المغتربة سابقة التجهيز.

وبعد

أتوقف هنا الآن ليس فقط لأعتذر عن صعوبة الصياغة ولكن لأبادر بأن أضيف بعض الإيضاحات كما يلى:

I ليس المطلوب فى المقابلة الإكلينيكية أن نحاول قصدًا أو تحديدا أن نرصد موقف المريض فى أى حالة من الحالات المتبادلة – على حساب الحالات الأخرى، فبالرغم من إمكان ذلك نسبيا فى حالات العادية والجنون، وإلى درجة أقل فى “حالات فرط العادية” و”ناتج حالة الإبداع”، إلا أن هذا التناول المباشر قد يفسد جدوى المراد من وراء الفرض، كما أن المسألة تتجاوز التقييم الوصفى للسلوك والمظاهر إلى التقييم الكلى الأشمل لحركية الحياة لدى المريض فى أحوالها الإيقاعية المتناوبة، وهذا يختلف تماما عن تعريف لفظى ينطبق على سلوك بذاته ليستحق أن يسمى باسم عرض بذاته، بل هو يجرى من خلال الوعى البينشخصى (وأكثر الوعى الجمعى فى العلاج الجمعى وعلاج الوسط) دون رصد أو توصيف محدد أولا بأول.

II إن مجرد الإقرار بهذا الفرض ومواكبة ملامحه من خلال الممارسة أساسا – وليس فقط من خلال قراءة ما كتبتُ عنه مثلا – هو الذى يمكن أن يسمح للطبيب والمعالج بالتخطيط للعلاج المناسب لهذا التنظير، وهو علاج “المواجهة – المواكبة – المسئولية  (نشرة 24-2-2008) (نشرة 25-2-2008) (نشرة 26-2-2008)  (الندوة العلمية:  ديسمبر 2006) وبالذات بُعْد المُواكبة فى هذا العلاج.

III إن هذه المواكبة تبدأ من فروض النفسمراضية (السببية فالتركيبية) وهى عملية حركية مشتركة بين الطبيب والمريض، وسط المجتمع العلاجى أو حتى المجتمع الأوسع، وتُبْنَى على أساس حركى نقدى إبداعى هو أقرب إلى ما ذكرتُ سابقا تحت عنوان “نقد النص البشرى”، كما أنه سيرد ذكره تفصيلا غالبا فى وصف كل نوع من أنواع العلاج، وغالبا أيضا مع عرض حالات فى باب “حالات وأحوال”، لكن يظل الأمر دائما متوقفا على الممارسة العملية تحت إشراف وتنمية مهارات التواصل عبر مستويات الوعى المختلفة والمتمادية.

IV إن التعرف على التوجهات العامة لمواصفات كل حالة من حالات التناوب عند المريض، وعلى مدى نشاطها النسبى، وأسلوب تعاقبها – إن أمكن – هو لمجرد الإعانة فى ترشيد عملية المواكبة العلاجية: الأمر الذى يمكن أن يسمح بتنمية الوعى البينشخصى فالجمعى، وأيضا يسمح بالتدخل الفيزيائى الدوائى الانتقائى والتأهيلى فى الوقت المناسب، بالجرعة المناسبة، لاستعادة حركية نبض الإيقاعحيوى فى الاتجاه الطبيعى لها.

2-7-2016_2

[1] – Etiological Psychopathology

[2] – Structural Psychopathology

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *