جدل اللغة والشعر

نشرت فى الاهرام

 الجمعة : 26 سبتمبر 2014

جدل اللغة والشعر

اللغة سجن المعنى، وهى قصره المنيف، ولا يحل هذا الإشكال إلا الشعر:

يبدأ الشعر

بتفكيك اللغة باعتبارها البنية الأساسية التى تهتز وتختل وتعجز عن أن تحيط بحركية وعى الشاعر المقتحِم المبدع، وهو يغامر بكل شىء، وهذا ما يمكن أنينطبق عليه تعبير البياتى «عبورٌ من خلال الموت»، لكن تظل الكلمة هى الأداة المتاحة

للتعبير الممكن عن كل من البنية المتفككة لتتخلّق، فيترجّح الشاعر – بوعىفائق – بين هذا وذاك.

يتسلم الشاعر شكل الكلمة القديم، وهى دالة على ما لم يعـد يريده، ثم هو لايجد أداةلقول ما يعتمل به وعيه من حركية وألحان، إلا نفس الكلمات التى ما اضطر إلى الشعر إلا ليتجاوزها، ثم إن الكلمة إذ تنفصل عن سياقها القديم تصبح مستقلة عائمة حتى تهدد بالتناثر، وكأنه إرهاصات الفصام، والشعر هو القادر أن يحيل هذا التناثر الخطر إلى تشكيلات تخليق لغته الجديدة المصورة المتناغمة اقتحاما مبدعا، وذلك بأن يمتطى صهوة الكلمات الطليقة، ليعود بها فى سياق تشكيلى إيقاعى بديع ، ينسجه بنفس الكلمات بعد أن تصبح ليست هى نفس الكلمات: فهو الجدل الشعر : يخلِّق الحياة من جديد.

وبعد

هذا ما مررتُ به أحيانا، أعنى ما عانيته، وأنا لست شاعرا

ولأبدأ بهذه القصيدة لعلها تبرئنى من اقتراف الشعر

-1-

ياليت شعرى…، لستُ شاعرا.

لا أضربُ الدفوفَ فى مواكبِ الكلامْ،

ولا أدغدغ النَّغـَمْ ْْ.

لا أنحتُ النقوشَ حول أطرافِ الجُمَلْ،

أو أطلبُ الرّضَا.

ولا أقولُ ما يقرّظ الجمالَ ََ..،

(يمسخهْ)

أويُسكر الثوّار بالأمل

(جريمةٌ مزركشةْ)

-2-

تدقُّ بابِى الكلمةْ

أصدّها.

تُغافل الوعىَ القديمَ،

أنتفضْ.

أحاولُ الهربْ،

تلحقـُـنِى.

أكونُها،

فأنسلخْ.

-3-

أمضى أغافلُ ُُ المعاجِمَ الجحافلْْ،

بين المَخاضِ والنحيبْ.

أطرحُنى:

بين الضياع وَالرُّؤى.

بين النبىِّ والعدَمْ.

أخلّق الحياة أبتعثْ.

أقولُنى جديدا،

فتولًدُ القصيدةْ.

ثم حضرنى ما يؤيد ما ذهبت إليه فى هذا الخاطر، وهو مقتطفات من قصائد متباعدة(لم تـُنشرمنها إلا الأخيرة) وقد رأيت أنه ربما يوضح نفس الفكرة بصورة أدقّ، وإن كانت أكثر إيجازا، وأرخم تركيزا، وأهم بعض ذلك ما يلى:

(1) ………

“…من ينقذنى من صفع الكلمات القاهرة المحفورة،

من ركل حوافر تطعن فى الطبقاتِ المستوره”

(من قصيدة «العربة والجنية)

(2) ………

“… وصراخ أجنة أفكارٍ تبحثُ عن ثوبٍ ما سبقَ لأحدٍ مسَّه

ماوطِأته الأحذيةُ الألسنةُالقتلةْ

[لم تلدُ القطة -بيضاء بغير علامة- قططا رقطاء].

(من قصيدة «العربة والجنية(

(3) ………

“…تهتز حروف الكلماتُ على طرْف المعنى

تـُهمٍلـُنى،

أتضوَّر جوعا.

تتغافلُ عنى،

أتراجع أطفو أتلاعبْ.

تنسانى، أرنو أترقبْ”

(من قصيدة «اللعبة والدوائر)

(4) ………

“.. خـفـتـتْ أضواءُ الكلمةْ،

وتلاشتْ أحرُفـَهَا داخلَ أصلِ الصوتِ النغمهْ.

فانقلبتْ همهمةٌ غامضةُ المغزى،

أذَّن فى الناسِ بلالٌ أخرسْ

(من قصيدة وجها عملة)

(5) ………

…تحتضنُ الفكرةُ معناهَا

يستأذنُ لفــظٌ:

“يعلنُها؟”

تتأبى، تتململ، تهجعُ فى رحم الفجر القادم.

تتملص من قضبان الكلمة

(من قصيدة :  البرعم والأنغام)

(6) ………

…يا أسيادى، يا حفَّاظ السرِّ الأعظمْ

يا حملة سر المنجمْ

يا كهنة محراب الفرعون،

يا أفخم من لاكَ الألفظَ تموءُ كقطَطٍ جوعَى فى كهفٍ مظلمْ

هل يأذن حاجبكمْ أن أتقدّم

لبلاطكمو التمس العفو

أنشر صفحتىَ البيضاء

أدفعُ عن نفسى

أتكلـّمْ ؟

هل أطمعُ يوما أن يُسمح لى، أن يُسمع لى:

أحكى فى صمتٍ عن شىءٍ لا يُحكى

عن إحساسٍ ليس له اسم

إحساسٍ يفقدُ معناهْ ، إن سكنَ اللفظَ الميت

….

وفتحتُ فمِى، لم أسمعْ إلا نفسًا يتردَّدْ

إلا نبضَ عروقى

وبحثتُ عن الألف الممدودة، وعن الهاء ،

وصرختُ بأعلى صمْتى،

لم يسمعـْنى السادة

وارتدَّتْ تلك الألفُ الممدودهْ،

تطعنُنِى فى قلبِى

وتدحرجت الهاءُ العمياءُ ككرةِ الصُّلب

داخلَ أعماقِى

……..

من قصيدة : “صراخ الأبكم”

(الوحيدة التى نشرت فى ديوان: سر اللعبة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *