الرئيسية / مقالات صحفية / جريدة الأهرام / نجيب محفوظ: كيف أحبَّ الله وأحبَّ الموت كدْحًا إليه

نجيب محفوظ: كيف أحبَّ الله وأحبَّ الموت كدْحًا إليه

نشرت فى الاهرام

الأثنين : 1 سبتمبر 2014

نجيب محفوظ: كيف أحبَّ الله وأحبَّ الموت كدْحًا إليه

 لا أشك فى أن شيخنا قد اختار الموت راضيا حين شاء الله تعالى أن يختاره إلى جواره بعد أن هيأ ربنا الظروف لذلك، كما أننى لم أشك أنه اختار الحياة طول الوقت، حتى لحظة اختياره الموت، اختار الحياة ليس بمعنى الاستمرار على ظهر هذه الأرض كائنا بشريا جسديا متحركا حاضرا..فحسب،

ولكنه اختارها أكثر: كيانا فاعلا مبدعا جميلا مضيفا بما تيسر مهما صَعُبَ المسار وضعفت الأدوات. وحين تيقن أن الله تعالى قد أراد أن يجعل الأدوات أضعف حتى العجز، والمجال أضيق حتى الاختناق، اختار شيخنا أن يقولها بملء وعيه أنْ «كفى». لم يكن اختيار الحياة بديلا عن اختيار الموت، كان اختياراً متداخلا، متكاملا مكمِّلاً.حين آن الأوان: قالها شيخنا بملء وعيه أنْ: «كفى»، ومضى إليه راضيا مرضيا، ومع يقينى بأن هذا حقه بلا منازع، فقد رحت أعاتبه: «لِمَ قُلْتَها شعراً»؟ لِمَ قُلْتَها شيخى:«كفى»، الآن ونحن فى أشد الحاجة إليك؟

أتذكر أننى  فى أوائل معرفتى الحميمة به شخصيا، كان الرئيس فرانسوا متران يقترب من الموت بعد أن أصيب بالسرطان وتأكد من قرب النهاية، سأله أحد الصحفيين بعشم) أو وقاحة( عن توقعاته بعد الموت، وعن مدى إيمانه أو رغبته فى الجنة، فأجاب دون استهانة وبكل شجاعة، أجاب بما تيسر له، ومن ذلك أنه يرى أن الخلود فى الجنة بلا نهاية هو أمر يدعو للملل، نقلت للأستاذ هذا التصريح متعجبا، وربما مُعْجبا بشجاعة متران ومساحة الحرية التى تسمح بمثل هذا التصريح، أطرق الأستاذ رأسه ليس قليلا،وقد عودنا أنه  حين يفعل ذلك فهو يُعمل فكره دون التزام بالرد. صمتّ منتظرا، وطال الانتظار ثم نبهته بكل العشم أنى أحتاج إلى تعليقه، قال: «أنا لا أوافقه»، قلت له «ألم تلاحظ شجاعته حتى لو اختلفنا معه؟ ألسنا نفتقد إلى  هذه المساحة من الحرية التى يتحركون فى إطارها بلا سقف يُقَزِّمهم؟، قال: «ليكن، لكنك تسأل عن رأيى فيما قال، لا عن ما أتاح له إبداء رأيه». انتبهت إلى دقة انتباهه، ووافقته، ثم  أردفت أننى ما زلت  أنتظر تعليقه على تصريح «ميتران»، قال بعد قليل: أنا لا أوافقه. إسمع يا سيدى: أنت حين تحب شخصا أَلاَ تكون حريصا على البقاء معه أطول مدة ممكنة؟ قلت نعم. قال: هل يمكن أن يخطر ببالك ما هو ملل وأنت تحبه فعلا ؟ قلت: لا، قال، فإذا كنت تحب الله سبحانه، فهل تشبع من قربه مهما امتد الزمن بلا نهاية، أم أنك تزداد فرحة وتَجدُّدًا طول الوقت؟»

 صمتُّ شاكرا، فاهما، متعجبا، متأملا داعيا.

قلت فى إحدى مناسبات ذكرى رحيله:

…… كل ما بلغنى مما يجرى حولى حالا يقول إن التكريم، والتأبين، والتمجيد، كل ذلك يجرى على قدم وساق، بكل معانى ومظاهر الوفاء الجاد، وضد كل التخوفات التىجاءت بقصته «علمنى الدهر» الأهرام 10 ديسمبر 1993 قبل الحادث، ومع ذلك فإننى لا أرى أن هذا كافيا أو هو الأنسب، يقول محفوظ فى ملحمة الحرافيش (ص 64) : «الموت لا يجهز على الحياة، وإلا أجهز على نفسه». فأين هذا الرحيل، ولماذا الوداع؟

تشكيلات الموت فى أحلام فترة النقاهة

عاودت قراءة أحلام النقاهة مجتمعة بعد رحيله، ووصلنى بعض الردّ على عتابى له راثيا “لماذا اختار الموت فى هذا الوقت استجابة لإرادة الله”

الحلم حركية مرنة زاخرة تتشكل بداخل هذا الموت الأصغر المسمى «النوم»، واليقظة إحياء بعد الموت (الحمد لله الذى أحيانى بعدما أماتنى وإليه النشور) – حين لجأ محفوظ إلى إبداع الأحلام (وليس تسجيلها) وجد نفسه داخل هذا الموت الأصغر، فاستطاع أن يلمح بعض معالم الموت الأكبر من النافذة التى فتحها بين مستويات الوعى

تعالوا نبدأ بآخر حلم نشر له، ونتجول معه وهو يرفع هذه الحواجز:

(حلم 206(

«رأيتنى أعد المائدة والمدعون فى الحجرة المجاورة تأتينى أصواتهم أصوات أمىوإخواتى وأخواتى، وفى الانتظار سرقنى النوم ثم صحوت فاقدا الصبر فهرعت إلى الحجرة المجاورة لأدعوهم فوجدتها خالية تماماً وغارقة فى الصمت وأصابنى الفزع دقيقة ثم استيقظتْ ذاكرتى فتذكرت أنهم جميعاً رحلوا إلى جوار ربهم وأننى شيعتُ جنازتهم واحداً بعد الآخر.

التذبذب فى قبول قرار الموت

حين يقترب الموت واقعاً، حتى بقرار طبيب، تقفز منا، فينا، مواقف متذبذبة، هى أكثر من موقف فى آن، بعضها فى بؤرة الوعى وبعضها على هامشه، تتراوح هذه المواقف ما بين الجزع والتحدى والتسليم والتمنى والمراجعة، إلى غير ذلك، وقد تبدو متداخلة أو متناقضة لكنها كلها تعلن – فى النهاية – التمسك بالحياة، بشكل أو بآخر. ثم إنالوعى بتوقيت الموت القادم قد يدفعنا – بدلا من التسليم – إلى الإقدام على ما يبدو تمسكا بالحياة، هذا بعض ما وصلنى من هذا الحلم:

(حلم 157)

لم يبق فى الحياة إلا أسابيع فهذا ما قرره الفحص الطبى، فحزنت حزناً شديداً ثم تملكتنى موجة استهتار فأقبلت أتناول الأطعمة التى حرمها علىّ الأطباء من سنين ولازمت صديقتى «س» وعرضت عليها الزواج فدهشت وقالت لىإنك تفقد صداقة بريئة عظيمة ولا تكسب شيئاً فألححت عليها حتى رضخت وبعد يومين جاءنى صديق طبيب يخبرنى بأن هناك أخصائيا عالميا سيزور مصر وأننا حجزنا لك مكاناً عنده فهنيئاً لك بفرحة الحياة، وغمرنى سرور من رأسى لقدمى غير أننى تذكرت الأطعمة الضارة التى التهمتها، والزواج الذى قيدت به نفسى على غير رغبة، فشاب فرحتى كدر وقلق.

الخوف من الموت:

مهما أعلنّا حب الموت، أو زعمنا قبوله، أو سلَّمنا بانتظاره، ومهما صدقت الوعود بمابعده، حتى رأيناها رأى العين فى حلم أو بيقين راسخ، إلا أن المسألة – من عمق أعمق– ليست بهذه السهولة المعلنة. حتى بعد التأكد من اللقاء هناك بأمثالنا، وبعد الارتياح إلى صدق الوعد بما لذ وطاب، يظل الحرص على الحياة غالباً أحيانا من باب «اللى تعرفه أحسن من اللى ماتعرفوش»، الحرص على الحياة غالبٌ إلى آخر لحظة حتى لو حَرَمنا هذا الحرص من المشاركة فيما تُقدمه الحياة، وما بعد الحياة فالأصدقاء فى هذا الحلم هم أصدقاء العمر الراحلون، والامتناع عن مشاركتهم، وهم قد رحلوا، هو حرص على الحياة  يمتد حتى بعد الاطمئنان إلى أن الذين رحلوا مازالوا يسمرون ليلاً تسبقهم ضحكاتهم المجلجلة، والمفارقة الموقظة هنا هى التنبية إلى أن الخوف من الموت يمتد حتى بعد الموت.

(حلم  92)

وجدت نفسى فى بهو جميل، وبين يدى وعاء ذهبى ملئ بما لذ وطاب.

فذكرنى هذا بسمار الليالى من أصدقاء العمر الراحلين، وإذا بى أراهم مقبلين تسبقهمضحكاتهم المجلجلةفتبادلنا السلام وأثنوا على الوعاء وما فيهغير أن سعادتىانطفأت فجأة وصارحتهم بأننى لن أستطيع مشاركتهم حيث منعنى الأطباء من التدخينمنعا باتا، وبدت الدهشة على وجوههم ثم ركزوا أبصارهم فى وجهى وتساءلوا ساخرين:

– أمازلت تخاف من الموت؟!

وصية محفوظ ودورية النقد الخاصة به:

شغلتنى فكرة دورية نقد متخصصة لأعمال محفوظ منذ نال نوبل وكتبت إلى المسئولين بذلك، بدءا من خطابى إلى أ.د. عزالدين إسماعيل رئيس تحرير مجلة فصول آنذاك فى11/11/1988، (بعد حصوله على نوبل مباشرة) ورحت أكرر طلبى لإصدارها فى كل مناسبة، كان آخرها للجنة المشكلة لتخليد ذكرى محفوظ، حتى تحقق أملى بصدورها منذ أربع سنوات برئاسة تحرير أ.د. جابر عصفور ثم د. حسين حمودة اللذين تفضلا بنشرما تيسر لى من نقد أعماله فى هذه الدورية بعد رحيله .( آخر البدايات ، الأسطورة الذاتية: بين سعى كويلهو، وكدح محفوظ، حركية الزمن، «وإحياء اللحظة» فى أحلام فترة النقاهة، مصر فى «وعى محفوظ» عبر قرنين، تتجلى فى حديث الصباح والمساء، جدل الانسان المصرى مع ثوراته عبر قرنين، فى حديث الصباح والمساء أيضا، تشكيلات خلود بين «ملحمة الحرافيش»، و«حضرة المحترم».

وأنا أكتب الآن فرحت أن شيخنا كان ينبهنا إلى أهمية مثل هذه الدورية، ليست بالضرورة الخاصة بأعماله، لكنها تحمل فكرة نقد النقد والتركيز على مبدع واحد، أوحتى عمل واحد ، مثل «عوليس» لجيمس جويس،، وإليكم هذا الحلم النبوءة !

(حلم 165)

قرأت فى المجلة مقال نقد قاس لشخصى وأعمالى بقلم الأستاذ ع وإذا به يمثـُل أمامى معتذرا ويقول إنه يقصد بالمقال أن يكون أساس حوار بينى وبينه يحدث ضجة تعيد الغائب إلى الوجود فقلت لهمن يصدق هذا الحوار وأنت ميت منذ 15 سنة فقال إنه يعتمد على أن الأجيال الحديثة فاقدة الذاكرة، فقلت لهإن المقال أحب إلى نفسى من الانفعال والخداع!

لم ترحل يا شيخنا، وما زلت أوصل كل خميس استلهام تدريباتك وانت تجاهد للعودة للكتابة، وأتعلم منها وأبلغ عنها، مثلما كنت أتعلمه منك وأنت معنا، فأشعر أنك ما زلت معنا، حفظك الله، هل تصدق يا شيخنا أن تداعياتى من هذه التدريبات قد وصلت إلى 934 صفحة ، وأنا لم أصل بعد إلا إلى صفحة 168 من تدريباتك البالغة مئات الصفحات يا لكرمك يا شيخنا حتى بعد الرحيل المزعوم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *