الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / الطبنفسى الإيقاعحيوى (32) Biorhythmic Psychiatry التعلُّم من أبجدية النقد الأدبى مستمر

الطبنفسى الإيقاعحيوى (32) Biorhythmic Psychiatry التعلُّم من أبجدية النقد الأدبى مستمر

نشرة “الإنسان والتطور”

الاثنين: 11-4-2016

السنة التاسعة

 العدد:  3146 

 الطبنفسى الإيقاعحيوى (32)

Biorhythmic Psychiatry

التعلُّم من أبجدية النقد الأدبى مستمر

مقدمة:

أرجو أن تكون نشرة أمس قد وصلت ولو إلى خمسة أو عشرة ممن يمارسون العلاج الجمعى أو علاج الوسط لعلهم يفيدوننى إن كانت الأبجدية النقدية الأدبية التى استعرناها من النقد الأدبى، قد أوضحت العلاج  كما نمارسه من منطلق “نقد النص البشرى” الذى هو الواجهة العملية الحالية لتقديم “الطبنفسى الإيقاعحيوى”.

من جديد: ما هو النص وما هو التناصّ

مازلنا نتابع دراسات فى النقد الأدبى عن “التناص” فى محاولة القياس عليها لعلنا نستطيع أن نعبر عن طبيعة وخطوات ما نفعله فعلا بما يفسر ما نلقاه من نتائج نوعية متميزة خاصة فى كل من العلاج الجمعى وعلاج الوسط.

ابتداءً: أتمنى أن يكون مفهوم كيف يكون هذا الكائن الإنسان العاقل (الهوموسابينس) مجرد نصّ  له كل مواصفات النص الأدبى ولكن بأرقى ما يمكن أن يتصف بها كائن حى، حيث أن مبدعه هو بديع السماوات والأرض، عبر ملايين أو بلايين السنين بما يترتب على هذه التذكرة من محاذير لا تنشأ إلا ممن يستسهل قراءة الألفاظ والإسراع بتعيين نفسه وصيا عليها دون استقبال نبضها وإيحاءاتها، غفر الله لنا وله.

التناص الأدبى – كما ذكرنا – هو استلهام نص أسبق يكمن فى لا وعى مبدع النص الأحدث أكثر مما يظهر مباشرة فى نص إبداعه الجديد، فهو يحضر بروحه ونبضه فى نصٍّ أحدث،

 أما التناص فى نقد النص البشرى فهو حركية شاملة بين “نص حاضر” و”نص آخر” حاضر فى نفس الوقت، وكلا النصين هما من خلق بديع السماوات والأرض، وليس لتناصهما أدنى علاقة بمنافسة الله فى خلقه وقدراته عز وجلّ، التناصَ فى العلاج نقدا هو بين نص قد ضلّ الطريق إليه، مرَضَا أو كفرا حتى هلك أو كاد، وبين نص مسئول  بقدر ما حمل أمانة ما خُلِقَ به، وما خُلِقَ له، “وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيْعًا” هل معنى ذلك أن ينقلب العلاج إلى صلاة وكدح إليه حتى يعود النص المريض إلى سوائه ويواصل مسيرته إليه، مع نفسه؟ هل هذا العلاج يحاول أن يحتوى فسيفساء كل وعى يلجأ إليه يطلب العون بحق، هل هذا ما يجرى بدءًا بما يسمى جدل الوعى البينشخصى إلى تخليق الوعى الجمعى؟ إلى الوعى المحيط؟ إلى الوعى المطلق؟ إلى الوعى الممتد فى الغيب؟ إلى وجه خالق كل ذلك؟ لا أفرض أية إجابات حاسمة، لكنه رجاء فيمن خلقنا لنتعارف بأن نزكى أنفسنا ولو بأن نحيى نفسا واحدة وكأننا نحيى الناس جميعا.

أخشى ما أخشاه أن يقفز المفسرون الأوصياء، والمتحمسون السطحيون ويتصورون أن المسألة هى تطبيق أرائهم ومفاهيمهم عن مثل هذه الممارسة الطبية تحت أى عنوان دينى مثل “الطب النفسى الاسلامى” أو “الطب النفسى المسيحى”… الخ، هذا أبعد ما يكون عن ما أحاول أن أقدمه، لأنه حتى فى التناص الأدبى لا توجد وصاية تفسيرية، حتى والناقد يربط بين النص الأحدث والنص الأقدم  فهو يقوم بكدح إبداعى وهو يعيد تشكيل النص الأحدث مع ربطه بروح النص الأقدم، حتى يخلِّق نصا نقديا جديدا تحت لافتة الإبداع النقدى.

فى العلاج من منطلق نقد النص البشرى الذى يستحق حالا الوصف بـ “التناص” لا يجرى البحث عن العلاقة بين نص غائب ونص حاضر، وإنما بين نصين حاضرين: أحدهما مُعطَّل أو مُشَوّه أو متألم ألما فائقا معجزا أو لعله متفسخ أو هامد مندمل أو كاد، والآخر مجتهد ملتزم كادح، وكلاهما قد يستعين بنصوص آنية أخرى متفاعلة معا فى هنا والآن (العلاج الجمعى) أو بنصوص أكثر فأكثر من المعالجين والمرضى (علاج الوسط) ويمكن وصف ذلك بأنه جهاد إيمانى تخليقى متصل، حالة كوننا نتعرف من خلاله على بديع النص الأصلى – فطرة الله التى فطر الناس عليها –  قبل أن يفسده صاحبه حين فشل فى حمل أمانته، وأحد مظاهر هذا الفشل فى مجالنا هذا هو ما يسمى المرض النفسى .

نتذكر معا مرة ثانية أن النقد الأحدث أعتبر كل نص تناصا، بل أن هناك من بالغ فأعتبر كل حوار تناصا، بمعنى أن أى كلام هو قد سبق قوله، حتى استشهدوا بقول على ابن أبى طالب كرم الله وجهه أنه: “لولا أن الكلام يعاد لنفد” وقول عنترة بن شداد “هل غادر الشعراء من متردم”.

لكن دعونا نسترشد بالأحدث فتنذكر وصف النص من مدخل التناص كالتالى:

 “… النص الأدبى يمثل كتلة من الفسيفساء المتداخلة بالاقتباسات والمعانى وقد شربت معان أخرى جديدة مطروحة فى النص، وكل نص هو تحُّولٌ وتحويل لنصوص أخرى”،

 ولعل أى ممارس للعلاج الجمعى خاصة (1) يباشر مثل ذلك تماما فى ممارسته الإكلينيكية، ذلك أن هذه الفرصة الفريدة فى العلاج الجمعى تسمح للممارس بمعايشة هذه المجاميع من الفسيفساء المتجمعة فى نصوص بشرية تمثل إبداعا لا مثيل له، أولا فى كل فرد على حدة، ثم معاً، ثم يحضر وعى المعالج مشاركا حالة حضوره فى مواجهة ومشاركة وتفاعل هذه المجاميع من الواحدات الحية التى تمثل كل – مجاميع من نفس الفسيفساء -، حتى يتواصل التشابك بين ملايين التشكيلات التى يتكون منها المخ وتسَمِّع فى كل خلية فى الجسد، فلا يقتصر العلاج على رصد وتحليل الألفاظ المتناولة أو السلوك الظاهر أو المناقشات والاقناع بل يمتد إلى حركية إبداع  بين مستويات للفرد وللمجموع بشكل متبادل طول الوقت بين كل وحدات فسيفساء الوعى المُنَشَّطةِ النابضة.

11-4-2016_1

ملاحظة خاتمة:

لاحظت فى هذه المقارنات عامة أن كل ما استطعت أن أطلع عليه من دراسات نقدية فى التناص لم تستعمل أصلا كلمتى “الوعى” أو “التطور”، فى حين أننى حين أستلهم جهودهم الرائدة لتوضيح ما أعنى بنقد النص البشرى أكاد لا أستعمل إلا مصطلح “الوعى” الذى يقوم عندى بكل ما تعنيه المنظومات النيورونية الهيراركية وطبقات المشتبكات المشتملة، وتفعيل العقل الاعتمالى الوجدانى للمعلومات، ثم لا أجد برغم هذا الاختلاف أننى ابتعدت ولو قليلا عن الفكرة التى جمعت بين التناصّ فى النقد الأدبى، وبين نقد الوعى البشرى علاجا.

لذلك فقد خطر لى بدءًا من الأسبوع القادم أن أخصص نشرة أو اثنتين فى جداول مقارنة لعلها تسهل المهمة.

[1] – وسوف أتوقف ابتداء من هنا عن ذكر علاج الوسط لفظا، حيث يعتبر العلاج الجمعى  نموذج مصغر ومكثف لما يجرى فى علاج الوسط الأكثر اتساعا، وألزم تأهيلا وأنشط حركية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *