الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / قراءة فى كراسات التدريب – نجيب محفوظ – ص 165 من الكراسة الأولى

قراءة فى كراسات التدريب – نجيب محفوظ – ص 165 من الكراسة الأولى

نشرة “الإنسان والتطور”

الخميس: 7-8 – 2014

السنة السابعة

العدد: 2533

 mahfouz 2

ص 165 من الكراسة الأولى

7-8-2014_1

   القراءة:

هذه الصفحة بها جديد غير مألوف

فبعد البسملة، ثم  اسمه واسمىْ كريمتيه، فوجئت بهذه الرسالة التى لم أستطع أن أميز الجزء الأخير منها إلا سطرا فى آخرها، فاجتهدت فى قراءة ماتيسر منها على الوجه التالى:

لم يذكر الأستاذ فى استهلالها المرسل إليه أصلا

وهى رسالة اعتذار رقيقة  يوجهها لشخص ما، يبدو أنه صديق جاد عرض عليه أن يشارك فى أمر عام يحترمه شيخنا ويعتبره “جهادا”  غالبا من أجل مصر، فكل عمل جاد عميق مبدع هو عنده جهاد بشكل ما،

وهى رسالة رقيقة، حضارية، تذكرنا بآداب الخطاب واحترام الدعوات وحسن الاعتذار وضرورته،

وقد تعلمت منه ذلك ليس فقط مما بلغنى عنه، وإنما من خبرة شخصية حتى قبل أن ألقاه رأى العين، وقد أثبت ذلك فى كتابى “فى شرف صحبة نجيب محفوظ” بما نصّه كالتالى:

الأربعاء: 1/2/1995

وأنا أرتب مكتبتى ظهر هذا اليوم ، عثرت على خطاب بين أوراقى القديمة بمحض الصدفة، وهو خطاب من الأستاذ، …….مؤرخ فى 1/3/ 1979 ردا على “هدية ما” من مؤلفاتي، أغلب الظن أنها الجزء الأول والثانى من ثلاثيتى “المشى على الصراط” ولم تكن قد حازتا جائزة الدولة التشجيعية بعد، ، فَرِحْتُ بالخطاب فرحا لا مزيد عليه، فرغم معرفتى بمجاملات الأستاذ ورقة مشاعره، وأنه يمكن أن يقول نفس الكلمات لطالب فى الاعدادية إذا راسله، يشجعه ويربت عليه، إلا أننى فرحت والله، ورحت أقنع نفسى – دون اقتناع – أنه خصنى فعلاً بهذه الكلمات، وحكيت له عن مفاجأتى بهذا الخطاب، فهز رأسه مصدّقا، وقلت له إن هذه القيمة “المبادرة بالرد على الخطابات” كانت من أعظم القيم التى تمثل جيله، وكنت قد عثرت بين نفس الأوراق على خطاب آخر من د. زكى نجيب محمود، يرد فيه على تعقيب أرسلُته إليه عن مقال نشره فى الأهرام، وكان يعتذر فيه عن تأخره فى الرد علىّ. وقلت للأستاذ إن سيجموند فرويد كان يخصص ساعتين يوميا من وقته للرد على الخطابات……(1)، استفسرت منه عن قيمة هذا عنده، وأنا أعرف أن وقته أثمن من ذلك فى تصورى فرد قائلا: إنه كان يرد بصفة دائمة على معظم أو كل ما يصله، وأنه حين عجز عن القراءة والكتابة كان من أحزن ما أحزنه عجزه عن الرد على الخطابات كما اعتاد.

وأيضا

كان الأستاذ من القلائل  الذين ردوا على الخطاب الذى أرسلته ضمن عدد من المبدعين والنقاد والزملاء ومن بينهم أ.د. مصطفى زيور، والناقد الأديب علاء الديب، وأ.د. أحمد عكاشة بصفتى  رئيس تحرير مجلة الإنسان والتطور الفصلية، وذلك لأخذ رأيهم فى العدد الأول للمجلة، والذى صدر فى أول يناير 1980 وقد أثبتنا رده كما أثبتنا شكرنا والرد عليه فى العدد الثانى مباشرة (إبريل 1980 وكانا كما يلى):

عدد أبريل 1980

السيد الاستاذ يحيى الرخاوى رئيس تحرير مجلة الإنسان والتطور

تحية طيبة وبعد

فقد اطلعت على مجلتكم فكانت سبيلى – مشكورة – إلى تصور جديد لعلم النفس يماشى تطلع الإنسان المنهك المعاصر إلى التوازن والقيم والإيمان، وثق من أننى أتمنى لها الاستمرار والنجاح، وكانت أول نتيجة لاطلاعى عليها الاسراع فى اقتناء أحد مراجعها المتاحه وهى: علم النفس الانساني

ولا أشك فى أنها تحوى جديدا

كما أعتبرها مجلة علمية ثقافية

كما أعتبرها نفحة حياة طيبة فى الركود الخانق

وفقكم الله ودمتم للمخلص

نجيب محفوظ

24 / 1 / 1980

فكان الرد كالتالى

يا سيدى يا نجيب محفوظ

حفظك الله من قبل ومن بعد، فنحن نعلم كم أنت مجامل، وكم أخذت عليك هذه المجاملة حتى احتار الناس أن يجدوا لك عدوا (من جانبك على الأقل)، كما نعلم كم أنت علامة عصرنا” وأنه لا ينقصك مزيد من مديح أو تقدير، ولكنا لا نملك – حبا فيك وأملا لنا – إلا أن نصدق كلماتك كما هى، حتى ولو كانت من قبيل المجاملة، فنزهو أن نكون قد فتحنا لك تصورا جديدا لعلم النفس وأنت الذى فتحت النفس لنا شخصيا أكثر من أى تصور، وقد كان  – ومازال – من أهداف هذه المجلة أن تدرس النفس من خلال الرؤى الفنية أكثر فأكثر، ومن خلال كتاباتك بالذات أعمق فأعمق، فقد سافرت يا سيدى، علمت أم لم تعلم، داخل نفوس “عباد الله لخلق الله” أبعد من كل علمنا واخترقت أعمق من كل وصفنا…، ولكنا خفنا أن نكون غير أهل لذلك حاليا وخاصة بعد أن تراجع أحدنا عما كتبه عن رواية الشحاذ (من منظور الطب النفسى التقليدى) قصورا واعتذارا، وخفنا أن نقع فى خطأ وقع فيه غيرنا من استعمال ذيوع اسمك مبدعا .. مطية لذيوع اسمه ناقدا، ولكنك رائد من رواد النفس الإنسانية لاجدال، من أول “السراب” حتى “الشحاذ” ثم “حارة العشاق” و “روبابكيا” حتى “عصر الحب”، وهذا الذى تفضلت باقتنائه عن علم النفس الانسانى، وما يؤدى إليه بعد ذلك من علم النفس الفوقى (إن صح التعبير) عبر الذات الفردية إلى الكون الأعظم، لا يبعد مرماه عن رحلتك فى “أولاد حارتنا” أو فى “حكاية بلا بداية ولا نهاية” أو فى “الطريق” أو فى “ملحمة الحرافيش” .. يا سيدى إن الفن هو كشف النفس، وعلم النفس هو دراسة هذا الكشف، وإذا كان شكسبير العظيم قد خلد لأن أشباحه وأساطيره وأشعاره لم تنبع إلا من داخل داخلنا، فإن خلودك أنت يرجع لأنك ارتدت النفس إلى أعمق أغوارها، ورحلة بحثك وامتدادك وتصعيدك هى من أغلى معالم حياتنا ومنارات عالمنا.

يا سيدنا يا نجيب محفوظ أنت إنسان طيب، طيبة القادرين، طيبة مصر، وطيبة الإنسان المنهك المعاصر، فشكرا وعهدا.

أما الركود الخانق فهو الذى حفز إلى إظهار مثل هذه المجلة، وهذا أكثر حزنا من تعقيبك الدال وفى نفس الوقت أيضا أنه لابد وأن نطمئن إلى أن الركود مهما سكن سطحه فهو لن يخنق الحياة فى أعمق طبقاتها – وها نحن نكتب ونعيش بالرغم من كل ركود، وها أنت تبارك وتشجع بالرغم من كل اختناق.

عهدنا ألا يكون ركود، فإن كان فلن يكون خانقا، فإن كان ثمة ركود خانق فلن يدوم إلا إلى زوال .. نعم إلى زوال، وهل نملك غير هذا؟ عهدا وشكرا؟

يحيى الرخاوى

وبعد

ما زلت يا شيخنا تعلمنا فلعلنا نتعلم

وكل عام وأنت بخير، ومصر الحضارة كذلك

(1)

[1] –  الآن أتعرف من جديد عن معنى ذلك من خلال بريد الجمعة الذى يصدر اسبوعيا تباعاً ضمن النشرات اليومية فى موقعى الخاص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *