الرئيسية / نشرة الإنسان والتطور / الأساس فى الطب النفسى الافتراضات الأساسية: الفصل الخامس: ملف اضطرابات الإرادة (21) إثارة قضية لا تسمح بالهرب “الإنسان مخير أم مسيّر”

الأساس فى الطب النفسى الافتراضات الأساسية: الفصل الخامس: ملف اضطرابات الإرادة (21) إثارة قضية لا تسمح بالهرب “الإنسان مخير أم مسيّر”

نشرة “الإنسان والتطور”

الأحد: 26-4-2015   

السنة الثامنة

العدد: 2795

 

الأساس فى الطب النفسى

الافتراضات الأساسية: الفصل الخامس:

ملف اضطرابات الإرادة (21)

إثارة قضية لا تسمح بالهرب

 “الإنسان مخير أم مسيّر”

مقدمة:

سألنى بعض الأصدقاء (أو تصورت ذلك) لماذا تجنبتُ أن أتطرق للحديث عن مسألة “هل الإنسان مخير أم مسير”، وهو مسألة تتعلق بالإرادة بشكل يكاد يكون مباشرا؟

انتبهت إلى وجاهة السؤال، خاصة وأنا امارس فى العلاج الجمعى هذه المسألة طول الوقت، ونكاد نمنع (من خلال التفاعل بالاتفاق) الاعتذار بأنه “غصبا عنى” (غضبـِن عنى)، ليتحمل كل منا مسئولية كل فكرة، أو قول، أو فعل، بلوجدان، “هنا والآن”، ثم يا حبذا فيما بعد! وعادة تكون النتيجة فى صالح تأكيد مسئوليتنا عن الداخل والخارج طول الوقت (ولو نسبيا)(1)

لكن إذا انتقلنا إلى مناقشة مبدأ “الجبر والاختيار”، خاصة لو أضيف إليه مبدأ “القضاء والقدر والمكتوب” نجد العكس تماما، فأغلب الناس يفضل أن يعزو كل الأمور إلى إرادة من خارجه، وبالذات إلى الله سبحانه، بتسليم طيب، أو بتواكل سلبى،  والأخيرون  ينسون أنه “.. …..”وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ” وأنه “….فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ”.

وددت لو تجنبتُ الخوض فى هذه المسألة، حتى لا أقترب من إشكالات ذات صبغة دينية لا أريد أن أدلى بدلوى فيها حتى لا تختلط الأوراق، لكن يبدو  أن هذا يمكن أن يكون مستحيلا إذا أردنا تحمل مسئولية البحث والمخاطرة بمحاولة  الإجابة، كما يلى:

بعد أن أوضحنا كيف أن الإرادة ليست واحدة، وأن الإرادات متعددة ظاهرا وباطنا، وهى مرتبطة ارتباطا وثيقا بمستويات الوعى، وأنه لم يعد يشترط فى الإرادة لكى تكون إرادة أن تصل إلى اتخاذ قرار واضح معلن، وبعد أن أوضحنا كيف أن كل فعل إرادى تقريبا، حتى لو بدا  فعلا انعكاسيا ميكانيكيا ، فإن أصله إرادى، وحقيقته أنه اختيار ذكى أو غبى حسب مدى اتساقه مع برامج التطور، وقدرته على تعهد دعم ورعاية ما خلقه الله به، بعد كل ذلك – إن صح كله أو بعضه- زادت مسئولية هذا الكائن العظيم المسمى “الإنسان” وهو المسئول عن نفسه ونوعه بوعى نسبى، ولعل فى ذلك ما يقابل “حمل الأمانة”.

فى محاولة تمهيدية  للإجابة عن هذا السؤال اللحوح رحتُ أبحث عن الشائع بين الناس (ناسنا بالذات) أكثر من بحثى عن القضية فلسفيا أو تاريخيا أو حتى تطوريا “هل الإنسان مسير أم مخير”، وقد وجدت أغلب الإجابات إما استشهاد  بنص يحتاج شرحا  فى ذاته قبل أن نجعله دليلا على ما جاء به، وإما استسهال بإطلاق تعميم مثل  قولهم (مصطفى محمود مثلا) “إن الإنسان مخير فيما يعرف مسير فيما لا يعرف”، رحت أتأمل هذا التوصيف، وأنا أتساءل: أليس فى هذا دعوة ألا نعرف أكثر فأكثر فنتازل عن مسئولية الاختيار (وحمل الامانة) أكثر فأكثر، وبالتالى: أليس هذا هو الهرب بعينه ضمن التنازل عمّا يميّز الإنسان على قمة الهرم الحيوى، وهو هو ما يجعله “ظلوما جهولا” حين يتصدى لحمل الأمانة، وفى نفس الوقت يتهرب من القيام بمسئولية تعمير الأرض والإبقاء على النوع وتطويره؟

ذات مرة: دعانى مسئول فى وزارة الخارجية  إلى إلقاء محاضرة إرشادية للمبعوثين الفائزين بمنح علمية للسفر للخارج لإكمال دراستهم أو تحضير رسائلهم، وذلك تحضيرا للمبعوث من قبل الوزارة للتأهيل لمواجهة ما يسمى “الصدمة الثقافية” عند سفره وتعرضه لثقافة مختلفة فى بيئة مختلفة، ومن ثَمَّ مسئولية تحمل احتواء الثقافة المواجهة، أو الانحناء لها بالتقليد والتبعية، أو مقاومتها بالتعصب والغرور والجهل، وفى المحاضرة (الوحيدة) التى كلفت بإلقائها حاولت أن أوصل للمبعوثين ليس فقط ما أعرف من تنظير وما بذلت فيه من قراءات، عن هذه الفروق الثقافية، فى العلم والأدب، (مثلا: فى “عصفور من الشرق”: توفيق الحكيم أو “موسم الهجرة إلى الشمال”: الطيب صالح)، وإنما أيضا من خلال خبرتى المتواضعة مبعوثا لمدة عام واحد فى فرنسا، تلك السنة التى أصفها بأنها  سنة ثقافية تجريبية أكثر منها “مهمة علمية”، فى تلك المحاضرة نصحت المبعوثين ابتداء أن يضع  كل منهم – ولو نسبيا- أفكاره المُسبقة التى تملأ خلاياه كلها، وليس فقط عقله أو مخه، يضعها بين قوسين، لا ينساها، ولا يتنازل عنها، ولكن لا يـَلبَسُها درعا يحميه من غيرها أو ضدها، وأن الله سبحانه سوف يحاسبنا على ما نتعلمه  منهم، وما لم نتعلمه، فسألنى أحدهم: وكيف يحاسبنا عل “ما لم نتعلمه”؟ فقلت له لأنه كان من الممكن أن تتغير إلى أفضل ما  خلقك الله به لو أنك تعلمت من المختلف معك معنى الاختلاف وطبيعته ومداه وفائدته، ثم سمحتَ لما وضعتـَه بين قوسين أن يتفاعل معه فتنمو به إلى ما أعدّك خالقك له، وفى رأيي أن  ربنا سوف يسألك – كما صوف يسألنى- عن سبب  رفضك أن تتعلم كذا حتى أن تعرف ماهيته، مع أنه كان متاحا لك، بمعنى: لماذا عزفت عن النهل من نهر جار واعتبرته خطرا عليك، وأنت لم تتذوق ماءه أصلا؟ وكأنى كنت أحاول أن أوصل لهم مسوليتهم عن أن الإنسان – ما دام قد حمل الأمانة- فهو مطالب طول الوقت، ثانية بثانية أن يعرف أكثر ليصبح مختارا أكثر، وأنه حين يرفض أن يعرف، فإنه إنما يختار من وراء ظهره، وفى هذا الاختيار الخفى، إرادة خفية، سوف يُسأل عنها ضمن “ما تخفى الصدور”.

إن ما تخفى الصدور هو “أنا” أيضا، وسوف نُسأل عنه ، تماما كما سوف نُسأل عن ما نأتى وما نذَر، بل إن ما أكرمنا به ربنا، وما ورّطْنا به أنفسنا من التصدي لحمل الأمانة، وحتى لا نبوء بظلم أنفسنا بسبب جهلنا بقدر مسئوليتها وثقل حملها، إنما  يلزمنا بألا ننتظر حتى يسألنا الله  عما أخفينا فى صدورنا وادّعينا بناء على ذلك اننا غير مختارين فيه، بل إن الشعور باحترام ما أكرمنا الله به من وعى، ووعى بالوعى، وهدْى لمن اختار أن يهتدى، هذا الشعور يلزمنا أن نكون مسئولين عن كل مستوى وعى نحن نحمله عبر ملايين السنين (تاريخ الحياة)، بل إن من يحترم الحياة عليه أن يقبل قرض أن من انقرض من الأحياء (999 من كل ألف عبر تاريخ الحياة كما كررت مرارا)(2) قد انقرض لأنه أساء اختيار البيئة والمحيط ومن يتكافل معه من أحياء، وبالتالي لم يستطع أن يستثمر برامج التطور التى خلقها الله له لتحقظه، ليبقى ويستمر ويتطور، فانقرض.

 من هذا المنطلق ، وبعد أن اكتسب الإنسان الوعى، والوعى بالوعى، أصبح على كل فرد أن يتحمل مسئولية كل مستويات الوعى، سواء وصلت إلى وعيه الظاهر أم ظلت بعيدا عن مستوى بؤرة اختياراته المعلنة، أستلهم هذه المسئولية من ربنا، وهو ينبهنا أن “من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”، ذلك أن المؤمن حين يرعى كل خلية، (كل ثانية  أو جزء منها)، فيه، أو فيمن هو مسئول عنه (وهو مسئول عن كل الناس) هو إنما  يحيى نفسه ثم الأقرب فالأقرب، فهو يحيى الناس جميعا، وهو بذلك يحافظ على نوعه بوعى لم يتمتع به مَن قبله من أحياء.

شعرتُ فى هذه اللحظة أننى جعلت المسألة أصعب فأصعب، فهل هذا صحيح أم أننى أحترم تاريخ نوعى، وفضل ربى، وأستلهم كلماته، لاختار ما ينفع الناس ويمكث فى الأرض؟ وهو ما يحاسبنى ربى عليه منذ الآن، وحتى ألقاه؟ هل فى هذا تصعيب أم تكريم لهذا الكائن الرائع المسمى الإنسان.

الإنسان مخيَّر دائما أبدا، ومن يستسلم لما وجد نفسه فيه بادعاء أنه لم يكن له فيه خيار، لا تزال عنده فرصة أن يعيد الاختيار كل ثانية (أو جزء منها)، ولن يضل إن هو لم يستسلم للظاهر من وعيه وعمل حسابه ليوم العرض (الذى يبدأ من الآن)  “..يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ “، ولم يتحجج بأنه لم يكن يعلم بحركية مستوى وعيه الخفيه ، فهو قادر على أن يعلمها ما دام أن خالقه نبهه أنه يعلمها ” وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى” ، وهو إن استعبط ونسى أو تناسى مسئوليته فسوف يذكِّره خالقه بما عمل مُحضَرا، وسوف يحاسبه على ما بِصَدْره، وليس فقط على ما أعلنه وعرفه، “إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ” وسوف يتجمع ما فى الصدور أمام خبير عليم “وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ  *إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ “

العقول الظاهرة تختار، والقلوب تختار حين تتخلق من التجربة والوعى والمسئولية طول الوقت فى حضوره تعالى طول الوقت” أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور”

هذه الرؤية لا تنطبق على المتدينين فقط، ولا حتى على المؤمنين الكادحين دون غيرهم، فتاريخ الحياة صريح مباشر، ومن يعيش بوعى حضور الله فى وعيه إلى ما وسعه كرسيه طول الوقت، هو لا يفعل شيئا إلا أنه  يتعهد فطرته التى خلق بها، فهو يحافظ على ما خـُلقت له، وما علومنا (النفسية بالذات وغيرها)، وإبداعات البشر فى كل المجالات، إلا  وسائل تساعدنا على أن نعرف كيف خلقنا الله، لعلها تهدينا إلى أين نسير

الخلاصة، وحسابى على الله، هى أنه لكى تكون إنسانا مكرما حاملا للأمانة فأنت:

مخيّر فيما علمت وما لم تعلم

مخيّر فيما اخترت لنفسك وما اختاروه لك، وأنت تستطيع  أن تعيد الاختيار

مخيّر فيما اخترته للناس وقد سمح لك خالقهم أنك لو أحييت  نفسا واحدة فكأنما تحيى الناس جميعا

مخيّر فيما استسلمتَ له من قول غيرك دون فحص أو عدل أو نقد

مخيّر فيما نقدته من هذا القول على مسئوليتك

مخيّر فيما أصابك منك، وما أصاب غيرك منك

مخيّر فيما أخذت، وما تركت وكنت تستطيع ألا تتركه ربما كان فيه نفع لك أو لغيرك

أنا آسف

لست متأكدا، لكننى مجتهد  على الطريق،  أحاول طول الوقت.

كتبت هنا فى نشرات سابقة، وأنا أعقـِّب على كلمة عابرة طفت على وعى شيخى محفوظ فى إحدى صفحات كتاباته الباكرة فى  تدريباته للعودة للكتابة حتى يظل مختارا حتى على الورق حتى يلقاه، كتبت فى صفحة التدريب الكراسة الأولى  رقم (36) بتاريخ 4-3-1995، والتى ظهرت فى النشرة رقم(1469) بتاريخ 8-9-2011، كتبت أعلق على ما كتب وهو ………..

“الله يهدى من يشاء”،

كتبت ما يلى:

إرادة الله أن يهدى من يشاء، لا تتعارض مع إرادة المهدى، وبالتالى علينا أن نحاول مناقشة أين يقع ثواب من اهتدى إذا كان الأمر يبدأ هكذا من إرادة فوق إرادته…..قلت:

“…. ما دامت العملية مستمرة، لأن نبض الحياة/الموت هو عملية إيقاع حيوى مستمر، (مما جعلنى أرى  الموت – أخيرا- باعتباره “أزمة نمو”) فالفرصة متاحة لمن لا يكف عن الحركة النابضة الإيقاعية المستمرة

(إلى أن قلت……..)

“عندى أن حركية الهدى والهداية هى عملية متصلة متصاعدة، ما بين الداخل والخارج فى اتساق لا ينفصل ولا يتصل،

لا ينفصل بمعنى لا يستقل، ولا يتصل بمعنى لا يتلاشى،

(ولم أزد)

وحين عدت الآن إلى ما كتبت وجدته يحتاج إلى تحديد يليق بالتناول الحالى:

إن التسليم بدوام حركة الداخل والخارج هذه، انطلاقا من دوام الإيقاع الحيوى، جنبا إلى جنب مع مسئولية الوعى بالوعى والإرادة المتعددة المستويات، لا بد أن يصله أن الوعى الظاهر الذى نخصُّه بالاختيار:

 هو لا ينفصل عن بقية مستويات الوعى التى تمده بالبنية التحتية والعتاد لعملية الاختيار،

وهو لا يتصل بمعنى أنه ليس بالضرورة أن نعى طبيعة وحقيقة المستوى الذى أسهم فى الاختيار، لكننا نتحمل مسئوليته من خلال نقد نتائجه واحتمال تعديله،وتقدير مدى فائدة استمراريته وجدواه: هل هو ينفع الناس ويمكث فى الأرض أم لا؟

يبدو أن  تحديد قدر الإرادة فى فعل ما من خلال تقييم النتائج دون وضوح  عملية الاختيار ذاتها هو من افضل المناهج موضوعية التى ترشدنا إلى اختيارات القلوب التى فى الصدور

“فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا”

(غالبا)

برجاء الرجوع – لمن شاء- إلى نشرة: “الأحد: 17-8-2014 العدد: (2544) ، ونشرة: 30-3-2015، العدد: (2768).

 (“العقل الوجدانى لاعتمال  للمعلومات”، (نشرة 24-8-2014 ((نشرة 25/8/2014 ) وأيضا الكتاب  الذى أشرت إليه فى نشرة: 29-9-2014  وهو:

“The Evolution of the Emotion-Processing Mind With an Introduction to Mental Darwinism” Edited by: Robert Langs Copyright: 1996″

أما من ناحية الخبرة اليومية العملية، فسوف أعرض غدا عينة من خبرة فى العلاج الجمعى، وهى التى أشرت لها فى بداية هذه النشرة.

[1] – أنظر نشرة باكر الاثنين

[2] – “الانقراض جينات سيئة أم حظ سيئ”، دافيدم. روب، ترجمة: د. مصطفى إبراهيم فهمى، المجلس الأعلى للثقافة، سنة 1998.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *